نزار السامرائي
قراءة في تاريخ إيران الجمهورية - ٦
بعد أن وضعت حرب الثماني سنوات أوزارها، وبعد أن خلّفت دمارا هائلا لا سيما في إيران، وخاصة في البنى التحتية وعلى نحو أخص في البنى التحتية النفطية، فضلا عما تكبدته من خسائر بشرية وكذلك في مؤسساتها الاقتصادية الأخرى، اتخذت إيران قراراً استراتيجياً حاسماً وهو عدم السماح للهيب المعارك بدخول أراضيها، على قدر ما تمتلك من جهد وطاقة ومناورة سياسية، ولأن الأمر لا يرتبط برغباتها ولا بنواياها فقط، بل بقدرتها على وضع هذا الهدف موضع التنفيذ، اتخذت قرارا آخر لا يقل أهمية أو خطورة عن قرارها آنف الذكر، وهو توسيع نطاق حدود أمنها الإقليمي إلى أبعد نقطة قادرة على الوصول إليها، ولأنها محكومة بالجغرافية السياسية المعترف بها دوليا، فقد اتجهت إلى إقامة ركائز عقائدية قادرة على التحرك العسكري بتنسيق تنظيمي مع تلك الركائز الأمامية التي يمكن أن نُطلق عليها اسم "حجابات" وفقا لما يتداوله العسكريون في قاموسهم، على وفق لما تُمليه عليها متطلبات الأمن القومي الإيراني.
ولأن إيران رفعت شعار تصدير الثورة منذ الأيام الأولى لوصول الخميني إلى طهران مطلع شباط/ فبراير 1979، فقد كان جلياً أن الأمر ينطوي على صفحتين متلازمتين، الأولى إقامة تنظيمات وجمعيات شيعية ذات طابع عسكري صرف، وإن أخذت لنفسها تسميات تستطيع تخطي الحواجز النفسية للمجتمع الذي ستنشط فيه، كالجمعيات الخيرية والإنسانية، وأحيانا في تقديم الخدمات التعليمية والطبية في الأوساط الفقيرة، إلا أنها في واقع الحال حرصت على ابقائها خلايا نائمة تحركها عندما يحين الوقت لذلك، ولقد اقتبست إيران خبرتها في تأسيس هذه التشكيلات من خبرة الحركة الصهيونية عندما أسست عصابات الهاغانا وشتيرن وأرغون، التي تدربت عناصرها تحت سمع القوات البريطانية ونظرها، وكانت تنتظر ساعة الصفر للتحرك العسكري الموكول إليها، وعندما حانت لحظة تحركها، خرجت من تحت الأرض لترتكب جرائم شنيعة في الأوساط الفلسطينية، ويبدو أن اقتباس تجربة قيام إسرائيل في تأسيس هذه المنظمات الإرهابية، قد خضعت لدراسة معمقة من طرف الفريق السياسي والعقائدي المرافق للخميني في العراق وانتقل معه إلى فرنسا وحط رحاله في محطته الأخيرة في طهران.
ووضعَ أساسُ بنائها بدقة متناهية، كي تبقى ذات ولاء عقائدي مرتبط بولاية الفقيه برباط عقدي عضوي، يمنحها الشرعية الوحيدة المانعة لأي تشكيلات منافسة، وواقع الحال أن هذه الخطوة حددت توجهاً بحكم التراتيبية المذهبية في المذهب الجعفري الاثني عشري والتي تُلزم الشيعي "أي شيعي"، أن يعرف المرجع الذي يقلّده ويتبع أوامره ونواهيه، وهذا ما قد يفرض ثنائية في موضوع الولاء، والمفاضلة بين إتبّاع المرجع أو الولاء للوطن، وقد أسست هذه المدرسة لحالة من الصراع الحاد بين الولاء للمرجع الذي يعتبر أن الولاء له هو ولاء للدين والخروج عنه مبررا للإخراج من الملة، وربما أخذت هذه الظاهرة درجة أكبر من التصادم بين الولاء لمرجع التقليد الذي احتكره الخميني لنفسه مستعيناً بما توفر له من قدرات الدولة الإيرانية وسلطته المطلقة في ولاية الفقيه التي تفرض انقيادا أعمى لتلك الولاية في نفس الوقت الذي حجبه عن بقية المراجع الكبار الذين لا يشاطرونه الأخذ بمبدأ ولاية الفقيه، وهذا ما خلق تصادما بين الروح الوطنية والولاء العابر للأوطان باسم الدين أو المذهب، وهذا ما ظهر جليا أثناء الحرب العراقية الإيرانية عندما انضم عراقيون منشقون ينتمون إلى تيارات وأحزاب سياسية شيعية، إلى القوات الإيرانية من قوات الحرس الثوري أو البسيج فقاتلوا معها ضد قوات بلدهم، وكذلك عندما جند حزب الله اللبناني كل جهده وطاقته لخدمة المشروع الإيراني الإقليمي، لا سيما مجريات حرب 2026، وهكذا نجح الخميني في تحويل ما رسمه المؤسسون الأوائل للمذهب من مجرد أفكار على الورق، أو أحاديث تتردد على الألسن أو دروس تُلقى في الحوزات العلمية، إلى واقع على الأرض، وقد حدد مسارين متضادين الأول هو الولاء لإيران من خلال الربط المحكم بين العقيدة الدينية وتحويلها إلى مسار سياسي، والثاني الولاء لولاية الفقيه.
أما الصفحة الثانية فكانت في ربط هذه التشكيلات بمكتب حركات التحرر المرتبط بقيادة الحرس الثوري وإن كان ذلك في بدايات تشكيلها، وتم تحويل ارتباطها إلى عمل مؤسسي وجزء من مشروع الدولة الإيرانية من خلال ارتباطها بفيلق القدس أحد أذرع الحرس الثوري، وتم اختيار عناصرها القادرة على حمل السلاح من النواحي العقائدية والبدنية والعمرية، وإخضاعها لبرنامج تدريب عقائدي وقتالي بأعلى ما يستطيع الحرس الثوري توفيره لعناصره، وعلى الرغم من أن الغرب تعامل مع العمليات الإرهابية التي تنفذها أذرع إيرانية معروفة بارتباطها بإيران، إلا أنها كانت تتظاهر بأن إيران غير مسؤولة عنها من أجل كسب ودها ورضاها، وعلى العموم فإن إيران التي أرادت من تلك المنظمات والتشكيلات والحركات خطاً أمامياً لحدود أمنها القومي، فإنها بالنتيجة النهائية شكلت عبئا سياسيا واقتصاديا وماليا ثقيلا عليها، وعكرّت علاقاتها السياسية الإقليمية والدولية مع إيران، مع أن كثيرا من دول العالم كانت تنتفع منفعة مالية كبيرة من خلال شراء النفط الإيراني بثمن يقل كثيرا عن التسعيرة الدولية لبرميل النفط الواحد.
وفي كل مرة عندما تشعر إيران بأنها تواجه مأزقا سياسيا، تلجأ إلى إحدى الساحات التي تشعر أن فصائلها أكثر تأثيرا في تقديم العون لها لمواجهة مأزقها، وتأمره بالتحرك بالكيفية التي تحقق لها أفضل النتائج، وبصفة عامة كانت الساحة اللبنانية أكثر الساحات استعداداً لتقديم النجدة السريعة، فكان حزب الله اللبناني أكثر الأدوات التزاما بالتوجيهات القادمة من الجهات النافذة في طهران، وهو الوحيد من الوكلاء الذي أعلن برنامجاً اندماجياً مع ولاية الفقيه، وذلك عندما أعلن أمينه العام السابق حسن نصر الله، أنه ينظر إلى تجربته على أنها ليست إقامة جمهورية إسلامية في لبنان، وإنما يسعى ليكون لبنان جزء من "الجمهورية الإسلامية في إيران وتحت قيادة الولي الفقيه علي خامنئي.
أما حماس التي لم تعلن موقف التشيع المذهبي، بل ظلت تجاهر بأنها سنية المذهب، فلم تحض بنفس الدعم السياسي والعسكري الذي حصل عليه حزب الله، وربما تفسره طهران بأن ذلك ناجم عن عدم وجود حدود مفتوحة إلى غزة كما تتوفر مع حزب الله عبر سوريا، إلا أن حماس في حقيقة الأمر كانت تضمر التشيع السياسي، وربما كانت تحرص على التعاطي مع القضية الفلسطينية من منظور إيراني بحت، حتى أن خالد مشعل أحد قادة حماس والمؤسسين لها، قال في أحد تصريحاته الأخيرة، "علينا أن نعترف بأننا نقاتل دفاعا عن الأمن القومي الإيراني"، وهذا في حقيقة الأمر أكثر خطورة من التشيع المذهبي، وذلك بسبب التخلي طواعية عن النزعة الوطنية ورهنها بخيار آخر يتصادم مع التوجهات الوطنية، ويجعل من حماس حاملة بريد إيراني وواجهة لطهران في الساحات العربية والإسلامية.
ويسجل المراقبون باهتمام أن وكلاء إيران يهبّون للدفاع عنها ويخوضون معاركها مع استعدادهم لتحمل الخسائر فيها، إلا أن إيران أكدت بشكل قاطع أنها ليست على استعداد لتحمل أدنى مجازفة والانخراط في معركة دفاعا عن أقرب وكلائها إليها، وخاصة حركة حماس والثمن الباهظ الذي دفعته مدينة غزة في معركة غير محسوبة النتائج، وكذلك حزب الله اللبناني، على الرغم من انخراطه في معركة الثأر لمقتل علي خامنئي.
ومن أجل المضي بهذا المخطط بنجاح، فقد تم تخصيص ميزانيات كبيرة لتلك المنظمات التي تحولت بمرور الوقت إلى تشكيلات مسلحة أو شبه مسلحة تظهر بكامل تجهيزاتها، بما ذلك الملابس العسكرية التي تميّزها عما سواها، والأسلحة المتوسطة والثقيلة، وإضافة إلى التنظيمات التي تأسست أثناء الحرب العراقية الإيرانية، لا سيما في الساحتين اللبنانية والعراقية، فقد تناسلت هذه التنظيمات أفقيا وعموديا واتسع مداها الجغرافي على نحو سريع جدا، وظهرت على السطح بعد أن ظلت متخفية لزمن طويل، تبعا لقوة الدولة ومنظومتها الأمنية وقدرتها على تفعيل قوانينها المحلية.
كان الخيار الإيراني الأول قد وقع على الساحة اللبنانية، لما تتمتع به من خصوصية تتصل بالنظام الديمقراطي الليبرالي العريق القائم على المحاصصة الدينية والمذهبية في ذلك البلد، فاستغل الإيرانيون خضوع لبنان لأجواء الحرب الأهلية التي اندلعت في نيسان 1975، وانتشار المنظمات المسلحة على طول الساحة اللبنانية وعرضها، وعلى الرغم من تآكل قوة معظم الطوائف في البلاد، فقد بقي الشيعة لوحدهم الطائفة التي لم تزج نفسها بتلك الصراعات بصفتها هذه، وكأنها كانت تخطط لاستنزاف الجميع وفي اللحظة المناسبة تطفو على السطح لتضع الجميع أمام خيارات صعبة تتمثل أما بالخضوع لإرادتها المسلحة أو الصمت إزاء ما يحصل.
ومع الوقت تحولت حركة "أمل" من حركة مدنية تسعى لإنصاف المحرومين حسب وصف مؤسسيها لها، إلى كيان مسلح فرض حضوره مقابل التشكيلات الفلسطينية والقوى السنية والمسيحية التي خاضت قتالات مختلفة الأسباب والأهداف مع ضدها النوعي أي حزب الله الذي كان يتشكل بدعم من النظام السوري وبشكل خاص من الرئيس السوري السابق حافظ أسد الذي أجاد اللعب على التوازنات لإضعاف الجميع، لأنه أراد تحريك كتلة متماسكة ضد العراق تنفذ مخططاته في الساحة اللبنانية، في تنفيذ عمليات إرهابية ضد المصالح العراقية كما حصل في نهاية عام 1981 بتفجير مبنى السفارة العراقية في بيروت، أو في عمليات إرهابية ضد مصالح أوربية وأمريكية بما ذلك الدبلوماسيون والصحفيون ورجال الأعمال والسياح، إذ تم اغتيال عدد من الصحفيين اللبنانيين والعرب والأجانب وإشاعة جو من الترقب والرعب في نفوس كل من يفكر بانتقاد الدور السوري في لبنان والمنطقة، أو تحالفه مع النظام الإيراني أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وأسست تلك العمليات لمرحلة طويلة لتكميم الأفواه ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم، وكانت الصفقات السياسية لصالح إيران أو النظام السوري تتم بإشراف المخابرات السورية وقوات الردع السورية التي دخلت لبنان بموافقة الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1976.
اللافت أن الدول التي لم تستطع إيران اختراق حدودها، أو هي لم تشأ أن تفعل ذلك لحسابات مرحلية سياسيا واقتصاديا وأمنيا، تجاهلت تماما معاناة المتضررين من إرهاب تلك المنظمات وجرائمها التي كانت تطال المدنيين والمؤسسات الاقتصادية.

770 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع