عبد اللطيف التلباني ...أغنية قصيرة لم تكتمل فصولها

العربي الجديد/هيثم أبوزيد:لا يمكن فهم الموقع الذي احتله المطرب المصري عبد اللطيف التلباني (1936- 1989) بمعزل عن الرحلة التي قطعها بين بيئتين متباينتين؛ من ميلاده ونشأته في قرية العزيزية بمركز منيا القمح التابعة لمحافظة الشرقية، وهي بقعة غارقة في أصالة الريف المصري ونقائه، إلى انطلاقته الفنية من مبنى كلية الآداب في جامعة الإسكندرية، وانطلاق صوته من إذاعة العاصمة الثانية.

في منتصف الخمسينيات، جاء شاب من ريف الشرقية يحمل في حنجرته بحة الشجن الفلاحي، وفي روحه طموح المدينة الصاخب. هو ذاك "المثقف" الذي لم يكتفِ بالغناء والتمثيل، بل اقتحم عالم الإنتاج ليحمي استقلالية فنه، وكأنه كان يدرك أن الوقت لن يمهله طويلاً.

وبينما كان الإذاعي حافظ عبد الوهاب يرى فيه حليماً جديداً يخرج من المحافظة نفسها، كان التلباني يشق طريقاً مغايراً لا يعرف الجمود، يتنقل فيه بين الغناء لبرج الجزيرة، ومناجاة بحر الإسكندرية، والصدح بالعروبة من مصر إلى السودان.

https://www.youtube.com/watch?v=-kr2bn0yWLU

لكن القدر، الذي منحه صوتاً مفعما بالحياة والبهجة، كتب له فصلاً ختامياً تراجيدياً صامتاً برحيلٍ مفجع، وإرث فني كبير لم ينل من الإنصاف النقدي ما يستحق، بالرغم من نجاحه في أن يصبح رقماً مهماً في معادلة الطرب عموماً، والأغنية الخفيفة خصوصاً، فشملت قائمة ملحنيه أسماء بوزن رياض السنباطي وزكريا أحمد ومحمد الموجي ومحمد فوزي ومنير مراد، مع قدرة على صياغة هوية بصرية وصوتية شكلت جزءاً أصيلاً من وجدان الطبقة الوسطى المصرية في عصرها الذهبي.


مثلت الإسكندرية النقلة الكبرى في حياة التلباني، فلم تكن المدينة الكبيرة مجرد مقر أكاديمي تحتمه الدراسة في كلية الآداب، بل كانت هجرة فنية نحو مجتمع يمثل قمة الانفتاح الكوزموبوليتاني. في الإسكندرية، تحديداً في حيي باب سدرة وكرموز، لم يتعلم التلباني الموسيقى في قاعات مغلقة فحسب، وإنما تشربها من رصيف الفن، وعالم المقاهي والمتعهدين.

أكسبه احتكاكه بمقاهي الفنانين وموردي العوالم الذكاء الاجتماعي الفني اللازم للتعامل مع الجمهور، فعرف كيف يطوع صوته ليناسب الكازينو المبهج والصالون الراقي في آن، كما منحته دراسة الآداب عقلية المثقف، فلم يكن مجرد مؤدٍّ، فقد امتلك حساسية الفنان الذي يدرك قيمة الكلمة؛ وهذا يفسر لاحقاً اختياراته الشعرية الدقيقة وتعامله مع شعراء من طراز صلاح جاهين وعبد الفتاح مصطفى.

كان عام 1957 محطة فارقة في مسيرة التلباني، فقد فُتحت له أبواب إذاعة الإسكندرية في قصر الأمير عمر طوسون بباكوس. هنا، لم يمر الرجل مرور الكرام، بل نال تزكية لجنة رفيعة المستوى برئاسة حافظ عبد الوهاب. وهذا الاعتماد كان بمثابة صك الاعتراف الفني الذي نقله من دائرة مطرب الأفراح والحفلات الإقليمية إلى مصاف النجوم المعتمدين رسمياً، لتبدأ رحلته مع أولى أغانيه "خليني على بالك".

كان التلباني محظوظاً بقربه من أساتذة كبار في بداياته؛ فالملحن محمد المصري كان أستاذاً أكاديمياً علمه العزف على العود وأصول المقامات في بيته بشارع الإسكندراني. هذا التأسيس العلمي هو ما جعل عبد اللطيف التلباني قادراً في مرحلة النضج على تلحين عدد من أعماله لنفسه، وهي ميزة نادرة لا يمتلكها إلا المطربون الدارسون الذين لا يعتمدون فقط على الموهبة الفطرية.

ورغم أصوله الريفية، أصبح التلباني إسكندري الهوى. انعكس ملح البحر في بحة صوته، وصارت أغانيه مثل "شراع الحب" و"يا إسكندرية" تعبر عن روح المدينة. لقد استطاع التلباني أن يدمج بين رصانة الشرقية في الأداء الغنائي الرصين، وبين انطلاق الإسكندرية في الخفة والرشاقة اللحنية، ليخلق لنفسه كاريزما خاصة ميزته عن معظم معاصريه.

وإذا كانت الإسكندرية هي المهد الذي احتضن موهبة التلباني، فإن القاهرة بمسارحها وحفلاتها كانت الميدان الذي نضجت فيه الموهبة لتتحول إلى ظاهرة غنائية. لم يكن نجاح التلباني وليد الصدفة، فقد كان صوته مغرياً لكبار الملحنين من أمثال عبد العظيم محمد، وفريد الأطرش وعبد العظيم عبد الحق وحلمي أمين، وسيد مكاوي.. لكن علاقته بمحمد الموجي مثلت حجر الزاوية في مسيرته.

في ليلة 23 أغسطس/آب 1960، وعلى خشبة سينما ريفولي، وُلد عبد اللطيف التلباني نجماً جماهيرياً من خلال أغنية "إللي روحي معاه". كان الموجي يبحث دائماً عن أصوات قادرة على الجمع بين التطريب والدراما، ووجد في التلباني ضالته. كانت الأغنية مونولوغاً عاطفياً يتطلب قدرة عاليّة على التحكم في العُرب الغنائية من دون فقدان روح الشباب. نجاح هذه الأغنية وضع التلباني في منافسة مباشرة مع نجوم الصف الأول، وأثبت أن لديه نفساً طويلاً وقدرة على الوقوف بثبات في حفلات حية تتطلب كاريزما وحضوراً.

ومن أهم محطات مسيرة التلباني تلك الثقة التي نالها من رياض السنباطي المعروف بصرامته في اختيار الأصوات التي تؤدي ألحانه. قدم له "همسة حايرة"، فكشف فيه جانباً آخر هو المطرب الرصين الذي يجيد الوقوف في محراب المدرسة الكلاسيكية، مؤدياً جملاً لحنية مغلفة بالهيبة والشجن. كذلك، تعامله مع ألحان زكريا أحمد في "يا ريت يا أحلام الماضي" كان برهاناً على امتلاكه ذاكرة تراثية قوية، قادرة على استحضار روح التخت القديم بأسلوب عصري لا ينفر منه شباب الستينيات.

في مقابل الثقل السنباطي، وطرب زكريا أحمد، انفتح عبد اللطيف التلباني على موجة الحداثة الغنائية: مع محمد فوزي، قدم "خفة دمك مش على حد" وهي الأغنية التي استثمر فيها فوزي خفة ظل التلباني وقدرته على أداء السهل الممتنع، ما عزز صورته مطرباً عصرياً وقريباً من قلوب الشباب والتجمعات الأسرية.

ومع بليغ حمدي، قدم في "عيونها الحلوة دي" ليظهر لمسة بليغ الشعبية التي تتقاطع مع الأداء الإسكندراني، ليخلقا معا حالة من الفرح الغنائي التي كانت مطلباً أساسياً في حفلات أضواء المدينة. ومع منير مراد، قدم "عايز عروسة"، لتظهر فيه شخصية الممثل المطرب الذي يوظف الأداء الدرامي والتمثيلي داخل الأغنية، ما مهد له الطريق لاحقاً للبطولة السينمائية.

امتلك عبد اللطيف التلباني تجربة مهمة في التلحين لنفسه، وحققت بعض ألحانه شهرة ونجاحاً، مثل "يا إسكندرية" و"السودان روحها مصر"، و"يا قمر" و"الشوق رمانا". وقد أكسبه هذا الاكتفاء الذاتي الفني قدراً من التحرر من سطوة الملحنين.

تحت إشراف المذيع جلال معوض، أصبح التلباني ركناً أساسياً في حفلات "أضواء المدينة". كان بصوته الرهان الرابح للإذاعة في مواجهة السينما؛ فبينما كان عبد الحليم حافظ مشغولاً بأفلامه، كان التلباني هو صوت المسرح الذي يشعل حماس الجماهير بأغانٍ وطنية، مثل "من فوق برج الجزيرة" و"فوق القنال"، ليتحول من مجرد مطرب عاطفي إلى صوت وطني يعبر عن أحلام الثورة وتطلعاتها.

كانت علاقة التلباني بالسينما والتلفزيون محاولة واعية لتقديم نموذج فني متكامل. أدرك التلباني مبكراً أن الأغنية في عصر الستينيات والسبعينيات تحتاج إلى صورة وقصة لكي تخلد، وهو ما دفعه لاقتحام هذا العالم بكل ثقله، ممثلاً ومطرباً ومنتجاً في أحيان كثيرة.

دخل السينما من بوابة الشباب والمرح في فيلمه الشهير "نمر التلامذة" (1964). لم يظهر باعتباره مطرباً تقليدياً يغني للحبيبة في حديقة، بل ظهر واحداً من شلة الشباب (أحمد رمزي، حسن يوسف، محمد عوض)، ما منحه صبغة المطرب الشعبي المتعلم أو ابن البلد المودرن.

لعل الجانب الأكثر إثارة للإعجاب في مسيرة عبد اللطيف التلباني هو تحوله إلى منتج فني، في وقت كان فيه كبار النجوم ينتظرون عقود شركات الإنتاج الكبرى، قرّر التلباني إنتاج فيلمه الأخير "درب اللبانة" (1984). يعكس هذا الفيلم وعي التلباني بمتغيرات السوق؛ إذ قدم فيه توليفة تجمع بين الوجوه الشابة الصاعدة آنذاك (شريهان) والنجوم الثقلاء (سعيد صالح، سعيد عبد الغني).

الفيلم لم يكن مجرد استعراض غنائي، بل كان محاولة لتقديم دراما اجتماعية تتحدث عن الوفاء والخيانة والمواجهة، ما يؤكد أن التلباني كان يطمح إلى أن يكون صانع أفلام وليس مجرد مؤدٍّ.

في السبعينيات، حين بدأت السينما تعاني من أزمات إنتاجية، اتجه التلباني إلى المسرح الغنائي وأوبريتات التلفزيون. تجربة أوبريت "شارع النغم" مع المطربة مها صبري والمخرج محمد سالم كانت محاولة جادة لإعادة إحياء مجد المسرح الغنائي.

كذلك، كانت مسرحياته التلفزيونية مثل "كلمة حب" و"أنا وهيّ ومراتي" تظهره فناناً كوميدياً غنائياً يمتلك خفة ظل فطرية، وقبولاً قوياً لدى العائلة المصرية التي كانت تجتمع أمام الشاشة الصغيرة. لم يكن يخشى تجربة الاسكتشات أو الأغاني القصيرة التي تخدم الدراما، ما جعله فناناً تلفزيونياً بامتياز في عصره الذهبي.

في الثاني من فبراير/شباط عام 1989، وبينما كان المصريون يتأهبون لاستقبال العيد، كانت شقة المطرب الشهير في حي التوفيقية بالقاهرة تشهد فصلاً مؤلماً، يتمثل في رحيل التلباني وزوجته وأولاده مختنقين بالغاز. كانت فاجعة هزت الوسط الفني. المطرب الذي غنى "افرحوا يا حبايب" واحتفى بالحياة في كل استعراضاته، غادرها في لحظة صمت خانقة.

هذا التناقض الصارخ بين بهجة الصوت وقتامة النهاية أضفى على سيرته هالة من الشجن الأبدي، وجعل كل استماع لأغانيه بعد ذلك محملًا بمرارة الفقد. رحل عبد اللطيف التلباني وهو في الثالثة والخمسين من عمره، وهي سن النضج الفني الكامل.

كان لديه الكثير ليقدمه، خاصة في مجال الإنتاج التلفزيوني والمسرحي، ما جعل مشروعه مبتوراً لم تكتمل فصوله. ولعلّ الاستماع الواعي إلى منجز التلباني الغنائي والتلحيني يمثل إعادة اكتشاف لأحد أهم رموز الأغنية الخفيفة في عصر الإذاعة.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1384 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع