مفترق طرق إيراني: التنازل أم التعنت؟

 خياران أحلاهما مر

العرب/واشنطن- يواجه النظام الإيراني اليوم واحدة من أخطر لحظاته الاستراتيجية منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، فبعد أكثر من عامين ونصف من اتخاذ قرارات خططت لها القيادة على أعلى المستويات، اكتشف الإيرانيون، داخليًا وخارجيًا، أن الكثير من هذه الخطوات لم تحقق سوى الفشل والهزيمة، ما أدى إلى حالة من “الدوار الاستراتيجي” داخل قمة السلطة في طهران.

وتجعل هذه الحالة أي قرار مستقبلي للنظام على مفترق طرق حاسم: إما الانخراط في التنازل لإيجاد مخرج من أزماته، أو الاستمرار في التعنت بما قد يكون القرار الأخير للنظام نفسه.

ويمكن تتبع جذور الأزمة إلى 7 أكتوبر 2023، عندما نجحت حركة حماس في تنفيذ هجوم غير متوقع على إسرائيل، أعجز مؤقتًا الجيش الإسرائيلي وأظهر ثغرات في منظومته الأمنية.

وكانت هذه اللحظة فرصة ذهبية لإيران لتحقيق طموحاتها الاستراتيجية، إذ كان بمقدورها استغلال هذا الحدث لتعميق نفوذها الإقليمي. لكن القيادة الإيرانية بقيادة المرشد الأعلى علي خامنئي وحسن نصرالله، اختارت خوض مواجهة محدودة، متجنبةً أي مواجهة شاملة قد تضعف أذرعها الإقليمية.

وأعطى هذا القرار إسرائيل الفرصة لإعادة تنظيم صفوفها، وتوجيه ضربات استباقية ضد هياكل حماس العسكرية في غزة، وكذلك الحد من قدرات حزب الله في جنوب لبنان. النتيجة: فرصة استراتيجية كبرى ضاعت من بين يدي النظام الإيراني، بينما تمكنت إسرائيل من تعزيز مكانتها الإقليمية.

وفي أبريل 2024، بعد مقتل قائد فيلق القدس الإيراني، محمد رضا زاهدي، في دمشق، قررت إيران تصعيد الصراع ضد إسرائيل مباشرة، أملًا في استغلال ما اعتبرته ضعفًا إسرائيليًا.

وأطلقت طهران أكثر من مئة صاروخ باليستي ونحو مئتي طائرة مسيرة وصاروخ كروز، في خطوة غير مسبوقة مقارنة بسياساتها التقليدية التي تعتمد على وكلائها الإقليميين للردع. لكن إسرائيل، بدعم من تحالف غربي، صدّت الهجمات وشنّت هجمات مضادة دقيقة، مستهدفة قدرات الدفاع الجوي الإيراني وقادة عسكريين وعلماء نوويين، ودمرت أجزاء واسعة من المنشآت الصناعية الدفاعية الإيرانية.

وكشفت هذه المواجهة للقيادة الإيرانية أن الهجمات المباشرة على إسرائيل ممكنة وفعّالة، وأن الرد الإسرائيلي قد يكون أقل تكلفة مما توقعوا.

ومع بداية عام 2025، كان الوضع الإيراني أكثر هشاشة مما تصوّره القادة. فقد تراجعت منظومات الدفاع الجوي أس-300، وسقط نظام بشار الأسد في سوريا بسرعة، وتعرضت أذرع إيران الإقليمية – حزب الله والحوثيون – لضربات عسكرية وإستراتيجية قلّصت قدراتهم بشكل ملموس.

ومع ذلك، دخل قادة إيران في مفاوضات نووية مع الولايات المتحدة في أبريل 2025 وهم يشعرون بثقة زائفة. كان لديهم شعور أنهم قادرون على فرض شروط دون أن يتعرضوا للهجوم أو العقوبات.

وأدت هذه الثقة المفرطة إلى مزيد من التعنت، مما دفع إدارة ترامب إلى وضع مهلة ستين يومًا للتوصل إلى اتفاق نووي، وهي المهلة التي انتهت دون تحقيق تقدم، لتتبعها حملة إسرائيلية أميركية مشتركة أدت إلى شلل إيران خلال اثني عشر يومًا.

الرهان الإيراني محفوف بالمخاطر. قد يتمكن النظام من الصمود أمام حملة عسكرية جديدة أو عقوبات إضافية، لكنه يواجه احتمالًا أكبر بأن التعنت سيؤدي إلى انهيار كامل داخليًا وخارجيًا.

وتم خلالها تدمير برنامج إيران النووي والصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي، واستهداف كبار القادة والعلماء، وتحطيم جزء كبير من الصناعات الدفاعية.

وكشف هذا الانهيار المفاجئ عن هشاشة استراتيجية النظام وفتحه على احتمالات كارثية مستقبلية.

وعلى المستوى الداخلي، لم يتمكن النظام من معالجة الغضب الشعبي الناتج عن الركود الاقتصادي، التضخم، وغياب المكاسب الإقليمية التي تبرر إنفاق مليارات الدولارات على الحرس الثوري وأذرعه الإقليمية.

وأصبح العنف والقمع الدموي أدوات النظام للحفاظ على السلطة، ما أدى إلى مقتل عشرات الآلاف من الإيرانيين، وإشاعة شعور باليأس والغضب بين المواطنين.

وتعكس الاحتجاجات المتصاعدة إدراكًا جماعيًا بأن الجمهورية الإسلامية لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية للشعب، وأن النظام أصبح عاجزًا عن ترجمة الموارد إلى استقرار اقتصادي واجتماعي.

وفي الوقت نفسه، استمر النظام في إنفاق مبالغ هائلة على أذرعه الإقليمية بدلاً من معالجة المشكلات الداخلية، مما يبرز حالة الانغماس في مغالطات "تكاليف غارقة" حيث يتمسك بمشروع فشل رغم الدلائل على الخطر المحدق.

واليوم، يقف النظام الإيراني عند مفترق طرق حاسم: التنازل أو التعنت. المفاوضات الحالية، التي تُجرى بتوسط عماني، تمثل فرصة نادرة لتخفيف العقوبات الاقتصادية وربما إعادة ترتيب وضع النظام داخليًا وإقليميًا.

وقد يوفر التنازل فرصة للبقاء وإعادة ترتيب الأوراق، بينما التعنت المستمر يزيد المخاطر، ويهدد بإنهاء النظام نفسه. كل قرار هنا ليس مجرد خطوة سياسية، بل مسألة وجودية.

الدروس من السنوات السابقة واضحة: التعنت أدى إلى الخسائر الميدانية، التراجع في النفوذ الإقليمي، وارتفاع الغضب الشعبي. أي استمرار في نفس السياسات سيزيد الأزمة عمقًا، بينما التنازل والتفاوض مع القوى الكبرى قد يكون الطريق الوحيد للبقاء.

النظام الإيراني اليوم في مواجهة ضغوط متزامنة: ضغوط عسكرية من إسرائيل والولايات المتحدة، ضغوط اقتصادية بسبب العقوبات، وضغوط داخلية من احتجاجات شعبية واسعة.

وتجعل هذه الضغوط أي خيار مستقبلي للنظام معقدًا ومليئًا بالمخاطر، حيث أن الاستمرار في التعنت قد يؤدي إلى فقدان السيطرة، بينما التنازل يحتاج إلى تنازلات استراتيجية قد تزعج الفصائل الداخلية المتشددة.

ويوضح المشهد الإيراني أيضًا أن أي خيار داخلي أو خارجي لا يمكن فصله عن الآخر. فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية مرتبطة مباشرة بالسياسات الخارجية: الهجمات على وكلاء النظام الإقليميين، الردود الإسرائيلية، والمفاوضات النووية جميعها تؤثر على الاستقرار الداخلي.

ولذلك، فإن أي خطوة للتنازل يجب أن تكون مصحوبة بخطة داخلية لإعادة بناء الثقة بين المواطنين والنظام، بينما التعنت قد يؤدي إلى حلقة مفرغة من التصعيد العسكري والقمع الداخلي.

ويفرض الواقع على النظام أيضًا مواجهة حقيقة أن القوى الإقليمية والدولية لم تعد تعامل إيران كما كانت في الماضي. فقد تغيرت الحسابات العسكرية والسياسية، وأصبحت إسرائيل قادرة على ضرب إيران مباشرة وبفعالية، كما أن الولايات المتحدة قادرة على الرد بسرعة.

ويجعل هذا التغير الاستراتيجي أي مغامرة عسكرية خطيرة للغاية، ويعزز الحاجة إلى اتخاذ خيار التنازل والتفاوض بحكمة.

وفي الختام، مفترق الطرق الإيراني ليس مجرد اختبار سياسي، بل اختبار للبقاء: هل يمكن لإيران أن تتكيف مع واقع جديد وتقدم تنازلات استراتيجية تضمن لها الاستمرار، أم ستتمسك بتعنتها التقليدي فتقود البلاد إلى الانهيار؟ الإجابة على هذا السؤال ستحدد مستقبل الجمهورية الإسلامية داخليًا وإقليميًا ودوليًا.

ويظهر التاريخ أن القيادة الإيرانية قد تفضل التعنت على التنازل، لكن الدروس الأخيرة من الأخطاء السابقة والهزائم العسكرية والاحتجاجات الشعبية القاسية تشير إلى أن التعنت المستمر قد يكون الرهان الخاسر، وأن التنازل المدروس هو الطريق الوحيد لتجنب الانهيار الكامل.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

940 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع