
العرب/القاهرة- مع تصاعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، تتجاوز تداعيات النزاع حدود ساحات القتال لتصل إلى موائد الطعام وفواتير الطاقة في دول الشرق الأوسط، خصوصًا مصر وسوريا ولبنان والعراق.
وتواجه هذه الدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد أو الإنتاج المحلي المحدود للسلع الأساسية موجة جديدة من التحديات الاقتصادية، ما يضع حكوماتها أمام اختبار صعب في إدارة التضخم وضمان استقرار الأمن الغذائي في ظل صدمة أسعار النفط والغاز وارتفاع تكاليف الشحن.
وفي مصر، يتعرض الاقتصاد لضغوط مزدوجة، فبعد سنوات من التعافي البطيء، يعيد تصاعد أسعار الطاقة والاضطراب في الأسواق العالمية المخاطر على التضخم وسعر الصرف.
وارتفع معدل التضخم في المدن المصرية إلى 13.4 في المئة في فبراير مقابل 11.9في المئة في يناير، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ما يعكس تأثير ارتفاع كلفة الوقود والطاقة على أسعار السلع والخدمات.
ويمثل القمح حجر الزاوية في الأمن الغذائي المصري، إذ يستفيد نحو 70 مليون مواطن من دعم الخبز، مع اعتماد واسع على الواردات لسد الفجوات الإنتاجية. وتمتلك الحكومة مخزونات استراتيجية تكفي لنحو أربعة أشهر، بينما بلغت القدرة التخزينية للصوامع الحديثة أكثر من ستة ملايين طن، مع إنتاج محلي سنوي يقارب 10 ملايين طن.
إلا أن استمرار الحرب وزيادة تكاليف الشحن والاستيراد تجعل فاتورة القمح والسلع الأساسية مرشحة للارتفاع.
واضطرت الحكومة بالفعل لرفع أسعار الوقود والغاز بنسبة تراوحت بين 14 و30في المئة لتعويض الضغوط الناتجة عن أسواق الطاقة العالمية، ما ينعكس على تكلفة النقل والإنتاج وبالتالي على أسعار المواد الغذائية.
ويضيف هذا التحدي إلى المخاطر الاقتصادية التي تواجهها الأسر المصرية، خصوصًا الفئات الأكثر ضعفًا، في وقت يسعى فيه الرئيس عبد الفتاح السيسي لضبط الأسواق ومكافحة التلاعب بالأسعار.
وعلى الرغم من أن الأردن لا يواجه أزمة إنتاج محلي كبيرة، إلا أنه يعتمد على الاستيراد لتلبية نحو 95 في المئة من احتياجاته من القمح، حيث يغطي الإنتاج المحلي حوالي 30 ألف إلى 35 ألف طن سنويًا فقط.
وتأتي معظم واردات القمح من دول البحر الأسود مثل رومانيا وأوكرانيا وروسيا، فيما يعتمد الشعير على أستراليا وفرنسا وألمانيا.
وتمر هذه الشحنات عبر ميناء العقبة، الذي يشكل شريانًا حيويًا لدخول الحبوب إلى البلاد.
وتعمل الحكومة الأردنية على تعزيز المخزون الاستراتيجي، إذ يوضح مساعد الأمين العام لوزارة الصناعة والتجارة أن المواد الأساسية مثل الأرز والسكر والزيوت النباتية مخزنة لفترات طويلة، بما يكفي لتغطية الاستهلاك لعدة أشهر، مع وجود قدرات تخزينية واسعة للبقوليات.
كما اتخذت السلطات إجراءات لتخفيف أثر ارتفاع تكاليف الشحن، عبر السماح بدخول البضائع عن طريق المعابر البرية مؤقتًا، بالإضافة إلى بعض الإعفاءات المرتبطة بأجور النقل البحري.
ورغم ذلك، يظل السوق الأردني حساسًا لأي اضطراب في أسعار الطاقة أو حركة الملاحة، حيث يمكن أن يؤدي أي تعطيل في الشحن البحري أو زيادة تكاليف التأمين إلى انعكاسات سريعة على أسعار القمح والمواد الغذائية الأساسية.
وفي سوريا، تتجلى الأزمة في ضعف الإنتاج الزراعي نفسه. فقد كان الإنتاج السنوي من القمح قبل اندلاع الحرب بين 3 و4 ملايين طن، وهو مستوى كاد يحقق الاكتفاء الذاتي. لكن سنوات النزاع المستمر والعقوبات وأعمال التخريب، بالإضافة إلى موجات الجفاف الأخيرة، أدت إلى انخفاض الإنتاج إلى نحو 1.2 مليون طن عام 2025، أي أقل من المتوسط التاريخي بأكثر من 60 في المئة.
ويعتمد الأمن الغذائي السوري بدرجة متزايدة على الواردات، والتي تقدر بحوالي 3 ملايين طن من القمح لتغطية موسم 2025–2026. كما أن ارتفاع تكاليف الشحن البحري نتيجة الحرب والاضطراب في الملاحة يزيد العبء على الدولة والمستهلكين.
ولأن الأمن الغذائي مرتبط بالقدرة على الوصول إلى الأسواق الدولية، فإن أي ارتفاع إضافي في أسعار الوقود أو تعطل حركة النقل البحري ينعكس بسرعة على قدرة الأسر على تأمين الغذاء، خصوصًا في مناطق النزاع والجفاف مثل الحسكة والرقة ودير الزور والسويداء.
ويواجه لبنان تحديًا مزدوجًا، إذ يجمع بين أزمة اقتصادية خانقة وهشاشة الأمن الغذائي.
ويعتمد لبنان على واردات تغطي بين 80 و85 في المئة من احتياجاته الغذائية، فيما أدى انفجار مرفأ بيروت إلى تدمير معظم صوامع القمح، ما قلص القدرة على الاحتفاظ بالمخزون الاستراتيجي.
ورغم تأكيد وزارة الاقتصاد على توافر المواد الغذائية، إلا أن ارتفاع أسعار الطاقة والشحن البحري يرفع من تكلفة السلع بسرعة، ما يزيد الضغوط التضخمية على المستهلكين، خصوصًا في المناطق المكتظة بالسكان والمأهولة بالنزوح. ويبرز خطر ما يعرف بـ"تجار الأزمات"، الذين يستغلون التوترات لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، مما يزيد من هشاشة الأمن الغذائي في البلاد.
ويتميز العراق بقاعدة زراعية أكبر نسبيًا مقارنة ببعض جيرانه، مع إنتاج قمح يمثل العمود الفقري للأمن الغذائي المحلي، ومخزون حبوب يكفي حتى نهاية 2026. لكن البلاد تواجه أزمة مياه مستمرة نتيجة انخفاض تدفقات نهري دجلة والفرات، واحتجاز المياه في السدود الإقليمية، مما يقلل المساحات المزروعة ويهدد الإنتاج.
ويشير خبراء إلى أن شح المياه قد يؤدي إلى تراجع إنتاج القمح بنسبة تصل إلى 50 في المئة في بعض المواسم، ما يضطر العراق إلى الاعتماد على الاستيراد لتغطية الفجوات.
كما أن ارتفاع تكاليف الشحن البحري نتيجة الحرب على إيران سيؤثر على قدرة العراق على تعويض النقص في الإنتاج المحلي، ما يزيد الضغوط على السوق والأسعار.
وتظل أسعار النفط والغاز العامل الأكثر تأثيرًا على اقتصادات المنطقة، إذ يرفع ارتفاع الطاقة تكلفة الإنتاج والنقل، ما ينعكس بسرعة على أسعار المواد الغذائية.
وتشكل مضائق مثل هرمز وقناة السويس شرايين حيوية لعبور النفط والسلع، وأي تعطيل في الملاحة البحرية يزيد مدة الرحلات وكلفة التأمين والشحن، ما يرفع الأسعار بشكل مباشر على المستهلكين.
كما أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما يضغط على الحكومات لضبط الأسواق ومواجهة التضخم، في ظل ضعف القدرة على زيادة الإنتاج المحلي لتلبية الطلب المتزايد.
ويشير الخبراء إلى أن استمرار الحرب على إيران سيستمر في خلق ضغوط كبيرة على الأمن الغذائي والطاقة في المنطقة، مع احتمال تفاقم موجات الغلاء تدريجيًا.
وتبرز أهمية التخطيط الاستراتيجي الحكومي لتعزيز المخزون، وتخفيف أثر ارتفاع الأسعار، وضبط الأسواق، لضمان قدرة الأسر على الحصول على الغذاء والطاقة الضرورية في ظل أزمات مستمرة.
إن هذه الحرب ليست مجرد صراع عسكري على أرض إيران، بل أصبحت عاملًا مركزيًا في إعادة تشكيل خريطة الأمن الغذائي والطاقة في الشرق الأوسط، حيث يواجه المواطنون آثارًا مباشرة وغير مباشرة، من ارتفاع الأسعار إلى نقص السلع، ما يضع المنطقة أمام تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة تستلزم سياسات عاجلة وحكيمة لإدارتها.

656 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع