من ذكرياتي مذكرات عبد العزيز القصاب – الحلقة الرابعة

من ذكرياتي مذكرات عبد العزيز القصاب – الحلقة الرابعة

 

تشكيل لجنة عصبة الأمم لقضية الموصل وحركتها إلى الموصل

بناءً على حصول الخلاف مع الحكومة التركية على الحدود العراقية–التركية وتبعية ولاية الموصل، وبما أن الحكومتين لم تتوفقا إلى إيجاد الحل المطلوب، قررت عصبة الأمم بتاريخ 30 أيلول 1924 تعيين لجنة أممية مؤلفة من:

• الرئيس: (أف فرسن) سفير السويد في بوخارست
• العضوية:
1. الكونت (تلكي) الهنغاري – رئيس وزراء المجر سابقًا
2. الكولونيل (باولس) البلجيكي
• السكرتارية (4):
1. الكونت (بورتاليس) السويسري
2. السنيور (برودولو) الإيطالي
3. المسيو (كادير) الفرنسي
4. المسيو (ديد) السويسري

وقد وصلت هذه اللجنة الأممية إلى بغداد بتاريخ 16 كانون الثاني 1925 الموافق 20 جمادى الثانية 1343 هـ، فكانت موضع رعاية العراقيين حكومةً وشعبًا. والتحق أخيرًا بهذه اللجنة (كراموز) وهو مستشرق هولندي مترجمًا.
وكان مع هذه اللجنة:
• الخبير التركي: جواد باشا – المفتش العام للجيش التركي في جهة الجزيرة
• ومعه: ناظم النفطجي (الكركوكلي)، وفتاح بك (من أهالي السليمانية، أقارب الشيخ محمود المشهور) ، والرئيس الأول كامل بك عن الموصل، ومرافق الباشا بدري بك.

وقد عُيّن لمنصب الخبير البريطاني المستر جاردين لكونه مطلعًا على المذاكرات السابقة التي جرت في الأستانة مع السير بيرسي كوكس. كما عُيّن السيد صبيح نشأت خبيرًا ممثلًا عن الحكومة العراقية لتمكنه من اللغة الفرنسية، والتحق بهذه البعثة كضابط ارتباط الميجر ادموندس (معاون مستشار الداخلية أيضًا).
وبعد استراحة البعثة قليلًا في بغداد، تحركت إلى الموصل بتاريخ 27 كانون الثاني 1925.


بيوت موصلية قديمة على نهر دجلة

استقبال البعثة في الشرقاط ووصولها الموصل
عندما علمنا بحركة بعثة عصبة الأمم من بغداد، سافرتُ إلى محطة الشرقاط ومعي:
• المفتش الإداري المستر لويد
• آصف قاسم آغا (نيابة عن حزب الاستقلال في الموصل)
• عضو البلدية جميل الفخري (نيابة عن البلدية)
• قاسم الصابونجي (من الأشراف والتجار)
وفي الوقت المعين وصل القطار إلى المحطة، وخرجت البعثة منه فاستقبلناها كما ينبغي. وعندما سلمتُ خاصةً على الخبير التركي جواد باشا سألني قائلًا: «أنت فلان؟» فقلت له: نعم. وشعرت من سؤاله أنه قد استفسر عني قبلًا, ثم ركب الوافدون والمستقبلون سياراتهم، وكانت سيارتنا مع المفتش الإداري أمام القافلة، فوصلنا إلى الموصل بتاريخ 27 كانون الثاني 1925 (يوم الثلاثاء بعد الظهر). ودخل الضيوف دار الضيافة المخصصة لهم، وهي الدار التي كانت مخصصة للملك، فأخذ كل منهم يرتب حوائجه.

أول مظاهرة تركية مفاجئة يوم الوصول
بعد إنهاء الأشغال الرسمية لذلك اليوم، ذهبتُ إلى دار الضيافة ماشياً وبرفقتي صدفة محرر جريدة الموصل يونان أفندي فقط. وعند وصولي إلى ركن الثكنة العسكرية شاهدت جماعة من الأهالي يربو عددهم على الخمسين، وبينهم جواد باشا بزيه الرسمي ومعه عضو اللجنة الكونت (تلكي)، وهم ينادون بالتركية: «تحيا تركيا، يحيا قائدنا الكبير». فاستغربت الوضع وأسرعت حتى وصلت إلى القصر، وأخبرت مدير الشرطة تحسين علي والخبير العراقي وادموندس وصبيح نشأت بما حصل من الخبير التركي والعضو (تلكي) من الحركة الفجائية. فتَعجّبوا لأنهم لم يخرجوا من باب القصر على علمهم., فأخذ مدير الشرطة وأحد الخبراء يتعقبون الحركة مع أفراد الشرطة لكي لا يحصل ما يخل بالأمن أو يحدث تجاسر أو اعتداء على أعضاء اللجنة الذين خرجوا دون علم قوة الأمن، وقد تجول الباشا ورفيقه في شارع السراي وباب الطوب والسوق حتى وصلا إلى رأس الجسر الجديد ثم رجعا من طريق نينوى إلى دائرة الشرطة ودائرة المعارف والسراي إلى القصر عند مغيب الشمس.

مظاهرات وطنية عراقية واحتجاج الكونت تلكي
في يوم 28 كانون الثاني تجمهر أمام القصر ناس كثيرون وبعض طلاب المدارس، وكانوا يصرخون بأعلى أصواتهم بحياة العراق وعروبة الموصل. وخرجت اللجنة من القصر وأعقبهم المتظاهرون، فلم تتمكن اللجنة من السير لشدة الازدحام فرجعت إلى القصر.,وبعد عودة الكونت (تلكي) شاهدته يتكلم مع السيد صبيح نشأت ويحتج على مضايقة الناس من قبل الشرطة. فقلت له إن الشرطة تخاف وقوع حوادث لا تُحمد عقباها، إذ إن خروجكم بدون علم الشرطة ربما يحدث ما لا يُحمد.

ملاحظة (كما في النص):
(1) ذكر المستر ادموندس في كتابه (الكرد والترك والعرب) المطبوع في لندن 1950 انتقادًا لمظاهرات المنتسبين للحزب الوطني والاستقلال وطلاب المدارس، والحال أن البادي بالمظاهرات كان الممثل التركي جواد باشا وعضو البعثة الكونت تلكي يوم وصولهم… ومع ذلك كنت أشدد على الشرطة بعدم إعطاء مجال للتجمعات التي تعرقل مهمة اللجنة.

شروط رئيس اللجنة على الإدارة المحلية
في يوم 29/1/1925 تجمهر الطلبة والأهالي في أطراف القصر وهتفوا باسم العراق والعرب. وبعد الظهر قابلنا اللجنة مع المفتش الإداري وتكلمنا عن خروج أعضاء اللجنة بدون علمنا وعلم الشرطة وما يتولد عن ذلك من محاذير، وبخاصة خروج الخبير التركي بلباسه الرسمي، وبعد أخذ ورد لم تقبل اللجنة، بل أرسل رئيسها كتابًا شديد اللهجة يتضمن:
1. أن تكون للخبير التركي ورفقائه الحرية التامة للتجوال في أي وقت وأي محل.
2. أن يكون ذلك بلا حرس ظاهري، وعلى الحكومة المحافظة دون أن يشعر الأهالي.
3. أن تُمنع الاجتماعات والدعايات وبخاصة تجاه الخبراء الأتراك.
4. وطُلِب من جواد باشا عدم التجول باللباس الرسمي إلا في الحفلات الرسمية.
وختم كتابه بأن اللجنة لا يمكنها أن تستمر بالاستفتاء إلا بعد تنفيذ هذه الشروط. فتجاه ذلك أخبرت الوزارة وطلبت الجواب بسرعة.

تنظيم مقابلات الهيئات وتقسيم الوفود
عيّنت اللجنة يوم 31/1/1925 لزيارة بعض الهيئات، ورتبنا لكل هيئة شكلًا خاصًا ومعهم ترجمان، وقسمناهم إلى ستة أقسام:
1. العلماء والرؤساء الروحانيون
2. موظفو البلدية والإدارة
3. رجال حزبي الاستقلال والوطني
4. الأشراف والتجار
5. المحامون
6. الأطباء

قسم من أعمال اللجنة في مطلع شباط 1925
في 1 شباط خرج أعضاء اللجنة وطافوا في البلدة نهارًا بهدوء. ثم جرت مظاهرات وطنية بعد ذلك اليوم، بالأعلام العربية. وزارت اللجنة بطريرك الكلدان والقاصد الرسولي والآباء الدومنيكان وبعض الأعيان والأطباء، واستمر الاتصال ثلاث ساعات وكانت نتيجة المباحثات حسنة، وفي 2 شباط طلبت اللجنة مقابلة عشرين شخصًا (منهم أولاد فيضي النقيب الأربعة… إلخ) وسألوهم عن الأحوال والتجارة، وفي 3 شباط زارت اللجنة دائرة المتصرفية وسألت عن إدارة الملح، والتجارة، وسير الكلاك في دجلة، وأحوال عشائر شمر. وقلت لهم: سمعنا أنكم سألتم الناس هل يطلبون الترك أم الإنكليز، والحال أن الاستيضاح يجب أن يكون عن الحكومة العراقية لا الحكومة الإنكليزية… فأجابوا أن ذلك قد يكون من المترجم، ثم زاروا البلدية وبعض المحلات في السوق والجامع الكبير، ثم بيوتًا وأشخاصًا ودوائر (الكمارك… إلخ).
في 5 شباط دعت اللجنة وجوهًا منهم: سعد الله توحلة، أمين المفتي، الحاج حسين الحديد، عبد اللطيف عمادي، رؤوف شماس اللوز، مصطفى جلي صابونجي، حسن كشمولة، أحمد الصافي… وخرجت مظاهرة كبيرة بعد الظهر, وفي 6 شباط زار الكونت (بورتاليس) دائرة الطيران، وزار الكونت (تلكي) عددًا من الدور، ثم قابلوا في القصر وجوهًا كثيرين (داوود الدباغ، ناظم العمري، حبيب العبيدي… وآخرين).
في 8–9 شباط وقعت أحداث وشغب في محيط دار محمد النجفي، وجرح إبراهيم كمال جرحًا خفيفًا، وأُطلق سراح الطرفين بتوسط بعض الأشراف. كما تضايق فتاح بك من المتظاهرين فدخل حمام الصالحية ولم يتمكن من الخروج إلا بإخراجه من الشرطة وإيصاله إلى القصر.

مجيء المندوب السامي بيرسي كوكس إلى الموصل
في 8 شباط 1925 علمنا أن المندوب السامي السير بيرسي كوكس توجه إلى الموصل بالطائرة. وبسبب سوء الطقس وكثرة الغيوم والثلوج حصل هبوط اضطراري، وغرزت الطائرة في الثلج، ونُقل كوكس إلى دار قرب المطار وزودناه بأخبار اللجنة تفصيلًا. ثم ذهب إلى مقر اللجنة وعاد ليلًا ليخبرنا بأن اللجنة قررت تقسيم بعثتها: قسم يذهب إلى أربيل وكركوك والسليمانية ثم يعود، وقسم يبقى في الموصل لمتابعة التحقيق.


تقسيم البعثة، والاستيضاح في النواحي والأقضية
أعلن رئيس اللجنة أنه اعتبارًا من 8 شباط تنقسم البعثة إلى ثلاث لجان تتوجه إلى مناطق متفرقة.
وقامت اللجنة بالاستيضاح من خمسة وعشرين شخصًا من نواحي: الشرقاط، الشورة، حمام العليل، الحميدات… وكانت غالب الإفادات لصالح العراق، عدا ثمانية أشخاص من عشيرة الجبور ضد العراق.
ثم قابلت رؤساء اليزيدية في بعذرة، وقضت ليلة في دير السيدة بألقوش، ثم سافرت إلى زاخو, وحدثت ثورة في الولايات الشرقية من تركيا بتاريخ 2 آذار 1925، وتجاوزت القوات التركية على بعض قرى الآشوريين شمال زاخو والعمادية، فردتها الطيارات، وأعلنت الإدارة العرفية في قضاءي زاخو والعمادية مدة مؤقتة.


عودة البعثة واستمرار أعمالها حتى المغادرة
تفرّق الأعضاء ثم التقوا ثانية، وتجولت اللجنة في بعشيقة والشيخان وبرطلة وكرمليس وقره قوش وتلكيف… وكانت الأصوات غالبًا لصالح العراق، وزارت سنجار ثم تلعفر، وجرى هناك اجتماع وانتقال إلى البلدية، وكانت ميول قسم من أهالي تلعفر تجاه الأتراك، ثم عادت البعثة إلى الموصل، وزارت زاخو ودهوك والعمادية وعقرة، واستوضحت الآراء، وكانت الغالبية لصالح العراق مع قلة من المخالفين (كما ورد في النص).
في 22 آذار 1925 غادرت بعثة عصبة الأمم الموصل عن طريق تلعفر وسنجار والبديع، وخرجتُ مع المفتش الإداري المستر لويد لتوديعهم إلى أراضي البديع، وأقيمت لهم حفلة شاي من قبل رئيس عشيرة شمر الشيخ عجيل الياور.


توصيات اللجنة في تقريرها الأخير
لفتت اللجنة في ختام تقريرها نظر مجلس العصبة إلى ثلاث نقاط:
1. تأمين السلم داخل البلاد
2. حماية الأقليات غير المسلمة
3. التدابير التجارية
وقد قامت الحكومة العراقية بتأمين ذلك بعد صدور قرار مجلس عصبة الأمم مباشرة، ومنحت العفو العام عن الأعمال التي صدرت خلال مدة الاستفتاء.

خط بروكسل والحدود التي تقررت
يبتدئ خط (بروكسل) من نقطة اتصال نهر الخابور بنهر دجلة في شمال فيشخابور، ومن هناك يمتد إلى (الهيزل)، فالحدود الشمالية لعشائر السندي والكلي إلى جبل (بلاكيش)، ثم يصل إلى جبل (أشوتا)، ومن هناك يأخذ بالانحدار إلى جنوب (جل) حيث يمر على الحدود الشمالية لنواحي (فيروه وريكان)، فحدود (مزوري بالا)، ثم (روباري حاجي بك) عند الحدود الإيرانية التي ينتهي بها خط بروكسل الفاصل بين العراق وتركيا.

القرى الواقعة على الحدود من جهة قضاء زاخو ضمن ناحية السليفاني (على نهر الخابور):
فيشخابور – ديره بون – قره ووله – قوجان – هيت باد – باجوكه – إبراهيم الخليل – دورناق (عند ملتقى الخابور بالهيزل)
ضمن ناحية السندي (على نهر الهيزل):
هشتانه – ربنكه كوزان – هوريس – بهنونة عتيق – سينومر – دشت تخت – ضناط – دير شيش
ضمن ناحية الكلي:
روس – سول – نزدور
ويكون المجموع: 9 قرى في السليفاني، و16 قرية في السندي، و3 قرى في الكلي.
أما ناحية سنجار فآخر قرية عائدة للعراق الواقعة في الجبل هي (بارة)، وآخر قرية من حدود الحكومة السورية هي (الخانونية)، وأما آخر مخفر للحكومة التركية على حدود تلعفر فهو (مخفر المصطفاوية).

الى اللقاء في الحلقة الخامسة والأخيرة

للراغبين الأطلاع على الحلقة الثالثة:

https://algardenia.com/2014-04-04-19-52-20/thaqafawaadab/71024-2026-03-17-12-33-33.html

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

772 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع