ما بعد الهدنة في غزة: حين تتحول الجباية إلى عبء جديد على كاهل المنهكين

 أسامة الأطلسي

ما بعد الهدنة في غزة: حين تتحول الجباية إلى عبء جديد على كاهل المنهكين

كان من المفترض أن يشكّل وقف إطلاق النار نقطة تحوّل في حياة سكان قطاع غزة، أو على الأقل فرصة لالتقاط الأنفاس بعد شهور طويلة من الحرب والدمار والخسائر البشرية والاقتصادية. غير أن ما جرى على الأرض، وفق ما يتحدث به المواطنون، لم يحمل ملامح الانفراج المنتظر، بل كشف عن مرحلة جديدة من الأعباء، هذه المرة اقتصادية وإدارية.

فخلال الأشهر الأخيرة، ولا سيما منذ دخول الهدنة حيّز التنفيذ، برزت شكاوى متزايدة من توسّع فرض الضرائب والرسوم، وظهور آليات جباية أكثر تنظيمًا، ترافقها إجراءات رقابة وإنفاذ وعقوبات بحق المخالفين. هذه السياسات، كما يراها كثيرون، لا تأتي في سياق تخفيف معاناة الناس أو دعم صمودهم، بل في إطار سعي واضح لتوفير موارد مالية تُستخدم في إعادة بناء القدرات العسكرية وتعزيز منظومة الحكم في القطاع.

المفارقة المؤلمة أن هذه الإجراءات تُفرض في واحدة من أكثر الفترات الاقتصادية قسوة في تاريخ غزة. فالدخل شبه معدوم لدى آلاف العائلات، والبطالة باتت واقعًا يوميًا، والأسواق تعاني من ركود حاد، فيما يعتمد عدد متزايد من السكان على المساعدات الإنسانية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وفي ظل هذا المشهد، تبدو الجباية، مهما كان مسمّاها، عبئًا إضافيًا لا يملك الناس رفاهية تحمّله.

ويعبّر مواطنون عن شعور متزايد بأن الأولويات باتت مقلوبة؛ إذ يُطلب من المجتمع المنهك أن يموّل مشاريع لا تنعكس مباشرة على حياته اليومية، في وقت ما زالت فيه المنازل مدمّرة، والبنية التحتية شبه منهارة، والخدمات الأساسية تعاني من شلل واسع. بالنسبة لهؤلاء، فإن إعادة الإعمار الحقيقية تبدأ من الإنسان، لا من إعادة إنتاج أدوات القوة والسيطرة.

الأخطر في هذا المسار ليس فقط الأثر الاقتصادي، بل ما يخلّفه من تآكل في الثقة بين المجتمع والسلطة القائمة. فحين تُفرض الضرائب في ظل غياب الشفافية، ومع ربطها بأنظمة عقاب، فإنها تتحول من أداة تنظيمية إلى وسيلة ضغط، وتزرع مزيدًا من الاحتقان الاجتماعي في بيئة لا تحتمل مزيدًا من التوتر.

إن غزة اليوم بحاجة إلى مقاربة مختلفة، تعطي الأولوية لتعافي المجتمع، وتخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين، وفتح أفق اقتصادي وإنساني حقيقي. أما الاستمرار في تحميل الناس كلفة مشاريع لا يرون أثرها المباشر، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وتأجيل أي فرصة حقيقية للاستقرار.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1029 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع