
نزار جاف
بغداد قرأت ولکن!
التقدم العلمي الذي يسير بخطى متسارعة حتى يکاد أن ينافس الزمن ذاته، صار أمرا واقعا يفرض نفسه على الانسان ويشق طريقه إليه بمختلف الطرق والاساليب شاء أم أبى، حيث لم يعد هناك على وجه البسيطة من يمکنه أن يعيش بعيدا عنه وعن آثاره وتداعياته.
ما حققه العلم في مجال هندسة الجينات والإستساخ البايلوجي والذي أصبح يثير المخاوف والتحديات الاخلاقية والدينية على حد سواء ولاسيما وإن موضوع إستنساخ إنسان مجرد من المشاعر والعواطف والذي هو أمر وارد وغير بعيد إطلاقا في عالم صار الصراع والتکالب فيه على الکسب المشروع وغير المشروع هو السائد، مما يضع ماضي وحاضر ومستقبل الانسان على الکوکب الارضي في خطر داهم.
ولا أريد الخوض أکثر في هذا الموضوع الذي لا يبعث على الامل في ضوء تضاٶل بل وحتى إنعدام تحکم العامل الاخلاقي به، لکنني أريد أن ألفت النظر الى خطر وتحد غير عادي آخر أنجبه التقدم العلمي للإنسان، وأعني به"الشاشة"، التي کنا نراها قديما في شاشتي التلفزيون والسينما، أما اليوم فإنها تطاردنا في کل مکان، وحتى إن الانسان في الوقت الحالي وبمختلف المراحل العمرية، يقضي معظم وقته معها.
الشاشة هذه وإن کان تأثيرها السلبي طاغ على العالم کله، لکنه وفي العراق تحديدا، يبدو أکثر سلبية، أما لماذا، وحتى يمکن أن يکون هناك الکثير ممن لا يتفق معي في رأيي هذا الذي أطرحه؛ فإنه لکون العراق يمر بواحد من أسوأ فتراته التأريخية من حيث تراجع مستواه الثقافي والعلمي على حد سواء وأصبح شعبه يعيش في ماض مشحون بالخلاف والصراعات العبثية التي لا نهاية لها!
خلال العقود الخمسة الاخيرة من الالفية الماضية، کان هناك قول شائع هو: القاهرة تکتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ، ولئن کان هناك في العراق شعراء وروائيون وکتاب ونقاد عمالقة نظير بدر شاکر السياب ونازك الملائکة وعبدالوهاب البياتي وغائب طعمة فرمان ويوسف عبدالمسيح ثروت وموسى النصير وغيرهم ممن لا يمکن حصرهم في هذا المجال الضيق، لکن والحق يقال إن الاجيال الشابة بصورة خاصة من الشعب العراقي خلال تلك العقود ذاتها، کانت تتميز بإرتفاع واضح في مستواها الثقافي، والسبب الاساسي في ذلك هو إن هذه الاجيال منحت وقتا کاف للمطالعة وإثراء سقف ثقافتها في مختلف المجالات.
في أيام نظام البعث في العراق، کان المثقفون في ذلك الوقت وعلى الرغم من القيود الصارمة التي تم وضعها بوجه من يسبح خارج تيار الحکم وقتئذ، فقد کان هناك على الاغلب سياقات فکرية تفرض نفسها ويتم لمسها في وسائل الاعلام العراقية وقتئذ، لکن في نفس الوقت لامناص من الاعتراف بأن أجود وأرقى المطبوعات من مختلف الاتجاهات الفکرية کانت تجد طريقها الى المکتبات العراقية وهذه مزية لا يمکن تجاهلها لنظام البعث، وکان أهم ما في الامر هو أن لا يتم تجاوز الخطوط الحمر لأنه ثمنه الموت.
عند الاحتلال الاميرکي للعراق وسقوط نظام البعث، إستبشر الشارع الثقافي العراقي خيرا بنهاية تلك الحقبة الاستبدادية، وکان هناك تصورا مفعم بالتفاٶل أعتقد إنه کان أشبه ما يکون برومانسية حالمة لم تکن لها من جذور ومترکزات على أرض الواقع، حيث إن الذي جرى ولازلنا نلمسه بوضوح هو إن أکثر شريحة ليس لم يکن لها من دور فيما سمي بالعراق الجديد بل وحتى إنها کانت خارج نطاقه، هي شريحة المثقفين!
في معظم البلدان الاوربية، وعندما ترکب قطار أو حافلة أو حتى طائرة، فإنك تشاهد المسافر الاوربي على الاغلب يطالح صحيفة أو مجلة أو يقرأ کتاب، أما في العراق، فإن هکذا مشهد کان سائدا في العقود الخمسة الاخيرة من القرن الماضي، أما حاليا، فليس هناك شئ من هذا القبيل بل إما أن يکون هناك صمت مطبق أو جدال وحديث يغلب عليه السقم والملل.

917 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع