عادت حليمة إلى عادتها القديمة ... وهل يعاد رئيس الوزراء إلى عرشه القديم:

بدري نوئيل يوسف

عادت حليمة إلى عادتها القديمة... وهل يعاد رئيس الوزراء إلى عرشه القديم:حكاية تقارب في دولة الفساد والتاريخ الذي لا يملّ من تكرار نفسه

في دولة الفساد حيث الزمن يدور في حلقة مفرغة، تتصدر العناوين من جديد: "عادت حليمة إلى عادتها القديمة"، وكأنها لم تجد في الدنيا ما يستحق التغيير، وها هو رئيس الوزراء ربما يعود إلى عرشه بعد جولة قصيرة في عالم المعارضة، وكأن الكرسي قد اشتاق إلى دفء جلسته الأبدية. يا لسخرية الأقدار! فالسياسة هنا ليست إلا مسرحية هزلية أبطالها لا يتغيرون، والجمهور لا يملّ التصفيق للوجوه ذاتها كل موسم.
يتحدث الناس عن الإصلاح وكأنهم ينتظرون معجزة من "حليمة"؛ تلك التي تعشق الروتين وتكراره، فلا هي تغيّر عاداتها ولا يتجرأ رئيس الوزراء على تجديد طقوس حكمه. أما دولة الفساد فهي أرض خصبة لكل من يعشق العودة إلى الوراء، ويؤمن أن "القديم هو الأفضل"، حتى لو كان فاسداً ومنخوراً حتى النخاع. هنا، لا مكان للغرابة عندما يجمع بين "حليمة" وعرش السلطة شغف لا ينتهي: هما وجهان لعملة واحدة، لا قيمة لها إلا في سوق النفاق.
في بلاد الفساد، يتغير الطقس ولا تتغير السياسات، تزداد الأسعار ولا يزداد الضمير، وتبقى "حليمة" ورئيس الوزراء رمزين خالدين لعصر تكرار الأخطاء. فهل سنشهد يوماً نهاية هذا التقارب الأبدي بين عادة قديمة وعرش لا يشيخ؟ أم أن دولة الفساد ستظل تضحك من الأعماق وهي ترى شعبها ينتظر من الماضي مستقبلاً جديداً؟
في دولة تُدار بالشعارات أكثر مما تُدار بالمؤسسات، لا شيء يثير الدهشة. فكما تعود الشمس كل صباح، يعود المسؤولون كل دورة انتخابية وكأنهم جزء من النظام الكوني. وهكذا، بعد أن تعب الشعب من انتظار الإصلاح، ظهر رئيس الوزراء من بين رماد الوعود القديمة... بابتسامة جديدة ودفتر وعود أعيد تدويره مرتين على الأقل!
الناس في المقاهي قالوا: “يمكن يكون تغيّر”. لكن ربما بعد أسبوع من تنصيبه، تتغيّر فعلاً... يتغيّر شكل الشعار على التلفزيون الرسمي، ويتغيّر لون الستائر في المكتب، أما الفساد فبقي له المقعد الذهبي ذاته، لم يتحرك على الإطلاق.
وفي أول اجتماع “لجنة مكافحة الفساد”، جلس الجميع يتبادلون النظرات. أحدهم قال بصوت خافت: “نبدأ بمن؟” فعمّ الصمت، وكأن السؤال عمن هو بلا خطايا في دولة كلها من زجاج مهشّم.
ما أجمل مشهد التقارب الوطني عندما يكون شكل الكعكة أهم من طعمها، والكرسي أهم من الوطن. تقاربوا... نعم، لكن ليس على مبادئ، بل على رائحة الصفقة! فالكل يريد أن يبقى قريباً من “بيت المال”، رغم أن البيت تحوّل منذ زمن إلى خربة بلا أبواب، يدخل منها كل من تعلم فن “اللف والدوران”.
وفي النهاية، يعود المشهد الدرامي المكرر: المذيع يصدح بالخبر العاجل، الجموع تهتف، الخطباء يعدون بالمحاسبة، والشعب يغيّر القناة ليشاهد مسلسلاً تركياً، لأن على الأقل هناك نهاية للحلقة.
في بلاد الفساد، لا يُستغرب أن تعود الوجوه ذاتها إلى المشهد بعد كل أزمة، تماماً كما تعود الأنغام المكررة في أغنية فقدت كلماتها، لكن الناس ما زالوا يصفقون لها من باب العادة لا الإعجاب. هناك طقس لا تتغير فصوله: وعود تُعلن، لجان تُشكّل، شعارات تُرفع، ثم تسقط جميعها على رصيف الذاكرة الوطنية المزدحمة بالمواسم المنتهية الصلاحية.
ربما يعود رئيس الوزراء إلى مقعده، لا ليبدأ فصلاً جديداً، بل ليعيد قراءة المخطوط القديم بعبارات منقّحة. يبدو أنه اختار شعار التجديد عبر “إعادة التدوير السياسي”: نفس العبارات بنغمة أكثر نضجاً، ونفس الحلفاء بعد عملية “تجميل توافقية”. هي ذات الكوميديا التي نحفظ حواراتها عن ظهر قلب، لكننا نواصل مشاهدتها لأننا نأمل في تغيّر المشهد... أو الممثلين، على الأقل.
أما الفساد، فلا يظهر عليه القلق. يجلس مطمئناً في الصف الأمامي من المشهد الوطني، يشرب القهوة مع من تم تعيينهم لمكافحته، ويبتسم بأدب كلما طُرحت كلمة “الإصلاح”. سوى أن هذه الابتسامة باتت مألوفة جداً، كأنها جزء من البروتوكول.
وهكذا تتجدد الوجوه دون أن يتغير المشهد: نحتفل بميلاد حكومة جديدة كما نحتفل بإعادة بث مسلسل قديم بنسخة “محسّنة بالألوان”. يصفق البعض إعجاباً بالدقة التقنية، بينما يكتفي آخرون بالتنهد قائلين: “على الأقل، اللون أجمل هذه المرة.”
لكن في النهاية، يظل السؤال معلقاً كجرس في عنق ضمير الوطن: متى يتغيّر النص لا الإضاءة؟ أما الآن، فيبدو أن القصيدة ذاتها ما زالت تُكتب بحبر الفساد... وبخط يدٍ خبيرٍ في تزيين الكلمات.
يُحكى ـ ولا حرج في الحكايات ـ أنّ حليمة، تلك السيدة التي أرهقت كتب الأمثال بعنادها، قررت ذات صباح أن تعود إلى عادتها القديمة، لا لأنها تحبها، بل لأنها لم تعرف غيرها. وفي اليوم نفسه تقريبًا، دون تنسيق مُسبق أو بيان حكومي، ربما يعود رئيس الوزراء إلى عرشه القديم، لا لأنه اشتاق إليه، بل لأن الكرسي ـ كما يبدو ـ اشتاق لجلسته.
وهكذا، التقت الحكايتان في دولةٍ لا تُدار بالقوانين بقدر ما تُدار بالذاكرة القصيرة.
في هذه الدولة، لا يعود المسؤولون إلى مناصبهم، بل “يستأنفون الخدمة من حيث توقفوا”. هو ليس فشلاً سابقًا، بل “خبرة متراكمة”. وليس فسادًا قديمًا، بل “أخطاء إدارية نضجت مع الزمن”. أما الشعب، فهو عنصر ديكوري مهم، يُستحسن الاحتفاظ به لأغراض الصورة العامة، خصوصًا عند زيارة الوفود الأجنبية.
ربما يعود رئيس الوزراء، فتنفّست المكاتب الصعداء. الملفات نفسها، الغبار نفسه، والتواقيع ذاتها التي تعرف طريقها جيدًا إلى الأدراج السفلية. حتى السكرتير لم يحتج إلى تعريف بنفسه، اكتفى بابتسامة تقول: “أهلاً بك، لم نغيّر شيئًا كي لا تتعب.”
في خطابه الأول بعد العودة، سوف يقول دولة الرئيس إن المرحلة القادمة تتطلب “شد الأحزمة”. ولم يوضح أحزمة مَن تحديدًا، لكن التجربة علّمت المواطنين أن أحزمتهم هي الأسهل شدًا، لأنها بلا حماية نقابية ولا وسائد جلدية فاخرة. أما أحزمة المسؤولين، فهي مرنة، مصنوعة من مطاط الوعود.
أما حليمة، فقد صفّقت من بعيد. فهي تفهم هذا النوع من العودة. تعرف أن التغيير في هذه البلاد يشبه تغيير ترتيب الأثاث في غرفة مغلقة: تتحرك الكراسي، لكن الغبار يبقى في مكانه. وربما لهذا السبب شعرت بالطمأنينة؛ فعودتها إلى عادتها القديمة لم تكن خروجًا عن المألوف، بل انسجامًا مع روح المرحلة.
في دولة الفساد، لا تُحاسَب الوجوه، بل تُعاد تدويرها. الوزير الذي فشل أمس، يُرقّى اليوم، لأنه “تعلّم من أخطائه”. والمسؤول الذي نهب، يُستدعى مستشارًا، لأنه “يعرف الثغرات جيدًا”. أما من لم يسرق، فيُشتبه به: “كيف لم يستفد؟ لا بد أنه غير كفء!”
الطريف في الأمر أن ربما عودة رئيس الوزراء قُدّمت على أنها انتصار للديمقراطية. فالديمقراطية هنا لا تعني تداول السلطة، بل تداول الأعذار. نفس الخطاب، نفس الوعود، مع تعديل بسيط في التاريخ
فقط، كي يبدو المشهد جديدًا.
وفي الأحياء الشعبية، لم يشعر الناس بالعودة. فالفقر لم يغادر أصلًا، والبطالة لم تأخذ إجازة، والغلاء يقيم إقامة دائمة. وحدها اللافتات تغيّرت، والابتسامات الرسمية أصبحت أوسع، لأن الكاميرات أصبحت أوضح.
هكذا، تعانقت حكاية حليمة مع حكاية الرئيس. كلاهما عاد، وكلاهما لم يتغير. وكأن الدولة كلها اتفقت على شعار غير مكتوب: “لماذا نُصلح ما اعتدنا عليه؟”
وفي النهاية، لا يسعنا إلا أن نرفع القبعة ـ إن بقيت لدينا قبعات ـ لهذا الانسجام النادر بين الأمثال الشعبية والسياسة الرسمية. فحين تعود حليمة إلى عادتها القديمة، ويعود رئيس الوزراء إلى عرشه القديم، نفهم أن المشكلة ليست في العادة… بل في الدولة التي تصرّ أن تجعل منها نظام حكم.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

938 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع