
بقلم : اللواء الملاح الركن المتقاعد فيصل حمادي غضبان
15كانون الثاني 2026
من طارق عزيز إلى عراقچي … هل تعيد دورة الزمن نفسها (بين رفض منطق القوة وتكرار التاريخ التحليل والمقارنة).
١. عام 2003، وقف وزير خارجية العراق طارق عزيز في مواجهة الضغوط الأميركية، رافضًا منطق القوة ومؤكدًا أن العراق لا يمكن أن يُدار بالإنذارات والتهديدات. كان الخطاب سياسيًا-أخلاقيًا، يستند إلى الشرعية الدولية، لكن ميزان القوى حينها كان محسومًا لان الولايات المتحدة قررت الحرب، جرى الذي جرى وسقطت الدولة بجميع اركانها بعد ان احتلت امريكا العراق 9 نيسان 2003 رغم الخطابات والاعتراضات.
٢. بعد أكثر من عقدين، يعود المشهد بصيغة مختلفة. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقچي يتحدث بلهجة متقاربة في الجوهر ( رفض الإملاءات، التشديد على السيادة، والتحذير من عواقب استخدام القوة ) وذلك في ظل تهديدات مباشرة من دونالد ترامب لإيران. هنا يبرز سؤال مع دورة الزمن هل نحن أمام تكرار سيناريو العراق أم حالة مختلفة في الاسباب والنتائج .
٣. أوجه التشابه بين الحالتين :
أ. اللغة السياسية: العراق عام (2003) رفض منطق القوة والتمسك بالقانون الدولي.
ب. إيران عام 2026 : تتبع خطاب تهديد سيادي مشابه، وتحذير من أن الضغوط لن تُفضي إلى استسلام.
ج. امريكا: في الحالتين، الولايات المتحدة هي مركز الضغط والتهديد، مع رئيس يميل إلى الخطاب الحاد (بوش الابن سابقًا، وترامب اليوم).
د.دولياً: اتهامات للعراق تتعلق بالأمن (أسلحة دمار شامل ) ، ( والبرنامج النووي الايراني اليوم).استخدام العقوبات والتهديد العسكري كأداة تفاوض.
٤. أوجه الاختلاف الجوهري ومدى تأثيرها على النتائج المحتملة :
أ. ميزان القوة والقدرة على الرد: العراق عام 2003: دولة مُنهكة بالعقوبات، جيش ضعيف، عزلة إقليمية شبه كاملة. أما إيران 2026 دولة ذات قدرات عسكرية وصاروخية، نفوذ إقليمي واسع، وأوراق ضغط متعددة مع اسناد دولي يرتكز على المصالح والند لامريكا .
ب. الوضع الإقليمي: العراق كان شبه معزول عربيًا وإقليميًا. اما إيران باتت جزء فاعل في معادلات الشرق الأوسط، وأي مواجه معها يحمل كلفة إقليمية كبيرة.
ج . الموقف الدولي: غزو العراق تم رغم معارضة دولية، لكن دون قدرة فعلية على منعه. في حالة إيران اليوم هناك انقسام دولي واضح، وتردد أوروبي وآسيوي في الانجرار إلى مواجهة شاملة ننتظر اليوم 15 / 1 / 2026 ماذا سيصدر عن احاطة مجلس الامن بصدد ايران مع علمنا ان المجلس يخضع لاملاءات الأقوياء وخاصة امريكا.
د. الهدف الأميركي: عام 2003: تغيير النظام العراقي بالقوة. أما اليوم اصبح الهدف الضغط لتغيير السلوك أو فرض اتفاق بشروط أقسى، لا بالضرورة إسقاط النظام الايراني.
٥. السيناريوهات المتوقعة على ضوء تهديدات الرئيس ترامب :
أ.سيناريو العراق والحرب الشاملة : ضعيف الاحتمال، لأن كلفته العسكرية والسياسية أعلى بكثير.
ب. سيناريو الضغط الأقصى: مرجح، عبر العقوبات، التهديدات، والحرب النفسية.
ج . سيناريو التفاوض القسري: الأكثر واقعية؛ تصعيد محسوب يهدف إلى جرّ إيران إلى طاولة تفاوض جديدة بشروط مختلفة.
٦. الخلاصة: اللغة تتكرر ودورة الزمن توحي بالتشابه، لكن النتائج ليست قدرًا محتومًا.العراق واجه القوة بلا أوراق كافية فدفع الثمن الأكبر. أما إيران تواجه التهديد اليوم وهي تدرك درس 2003، وتحاول أن توازن بين الصمود وعدم الانزلاق إلى مواجهة شاملة.التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يختبر الدول هل تعلّمت من تجارب غيرها أم لا
٧. شهادة للتاريخ أتمنى أن تفهمها الاجيال اليوم والتي لم تعيش تلك الاحداث قبل ان تمحوها الضوضاء المقصودة : لم يسقط العراق فجأة في عام 2003، ولم يكن ذلك نتاج خطاب أو موقف سياسي معزول. ما جرى كان إعدامًا بطيئًا عندما بدأت أمريكا الجريمة بحرب 1991 مهما كانت الاسباب حين واجه العراق تحالفًا من 33 دولة، لا دولة واحدة، ثم أُكملت الفصول خلال 12 عامًا من حصار قاتل جفّف الدواء، وكسر المجتمع، وأتعب الجيش، وفتك بالإنسان قبل البنيان. لكن الضربة القاتلة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت طعنة من الخلف. ( أموال عربية سُخّرت لتمويل الحرب، وأنظمة عربية فتحت الأبواب ووفّرت الغطاء، فكان الهدم بأيدٍ عربية قبل أن يكون بصواريخ أجنبية )…. ولكن الأشد مرارة أن جدار الصد القومي الذي احتمت خلفه المنطقة لعقود لم يُهدم بقوة العدو وحده، بل قُوّض بالخيانة. وبالأدوات ذاتها ( المال، التطبيع، الصمت، والتواطؤ ) أُزيل لاحقًا ما تبقى من هذا الجدار، فتغوّلت إسرائيل، وتبدّل ميزان الردع، وصرنا نشهد ما نراه اليوم من دمٍ واستباحةٍ وعجز.
ملحوظة : الخيانة ليست حدثًا عابرًا في التاريخ، بل خطيئة تأسيسية. لانها حين تأتي من الخارج ممكن ان تُقاوَم، أما حين تأتي من أهل الدار فهي أشد إيلامًا، حيث تهدم المعنى قبل أن تهدم جدار الصد الذي يُفترض أن يستند إليه الجميع.هذه ليست عاطفة وحنين إلى الماضي، ولا يكون حنينًا انتقائيًا؛ عندما نتذكّر الجوانب الجميلة أو القوية من الماضي ونتغاضى عن انتكاسه وأخطائه. با هي شعور بالشوق إلى زمنٍ، أو مرحلة نعتقد أنها كانت أفضل أو أكثر كرامة أو استقرارًا مما نعيشه الآن.أن الحديث عن سقوط العراق أو الخيانة العربية ليس بكاءً على الماضي،
بل قراءة واقعية لوقائع موثّقة ودروس يجب أن تفهمها الأجيال حتى لا تتكرر المأساة لان ( الأوطان لا تُهزم فقط حين يشتد العدو، بل حين يبيع الحاكم، ويصمت الشريك، ويُموَّل الحصار من خزائن الأشقاء)

1054 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع