
قلم باندان
حين تتقدّم الطائفة على الوطن: يهيمن الولاء المعكوس
في الأزمنة التي تختلط فيها الخرائط، لا تعود الأوطان وحدها هي التي تتشقّق، بل تتصدّع معها المعاني الكبرى: معنى الدولة، ومعنى الولاء، ومعنى العدالة ذاتها.
فحين تُقاس المواقف لا بميزان الحق، بل بميزان الانتماء، يتحوّل السؤال السياسي، في جوهره، إلى سؤالٍ أخلاقي، ويغدو الاختلاف – الذي يفترض أن يكون صراعًا حول السلطة والشرعية – نزاعًا وجوديًا حول الهوية والانتماء.
ليست أخطر أزمات المجتمعات تلك التي تنشب بين الحاكم والمحكوم، فذلك توتّر مألوف في تاريخ السياسة، بل الأخطر هو أن يُعاد تأويل هذه الأزمات في الوعي الجمعي بوصفها معركة بين “نحن” و”هم”. عندها يُمحى المواطن لصالح الطائفة، ويُستبدل الوطن بجماعةٍ متخيَّلة عابرة للتاريخ والجغرافيا. وفي هذه اللحظة، لا يعود العنف استثناءً، ولا الظلم انحرافًا طارئًا، بل يتحوّلان إلى أدواتٍ مبرَّرة باسم البقاء والاصطفاف.
من هنا، لا يكون الدفاع عن سلطةٍ ضد شعبها مجرّد موقف سياسي منحاز، بل علامة على انهيارٍ في سلّم القيم، وعلى ولادة ما يمكن تسميته بـالولاء المعكوس: ولاءٌ يُقدِّم الجماعة على الدولة، ويُقدِّم الهوية على الإنسان، ويُفرغ السياسة من معناها الأخلاقي.
وحين يثور شعبٌ على سلطته في دولةٍ ما، فإنّ هذا الفعل – في جوهره العميق – لا يكون نزوة سياسية ولا حدثًا طارئًا، بل تعبيرًا عن تصدّع في عقد الحكم، واختلالٍ في ميزان الشرعية بين الدولة والمجتمع. إنّه شأن داخلي في أصله، تحكمه علاقة مباشرة بين الحاكم والمحكوم، وسياق تاريخي واجتماعي لا يمكن فصله عن معاناة الناس وحقوقهم.
غير أنّ المشهد يفقد منطقه الطبيعي حين تتدخّل أطراف بشرية من خارج هذا العقد، مواطنون من دولٍ أخرى، لا تجمعهم بتلك الدولة رابطة مواطنة، ولا يتحمّلون تبعات قراراتها، ومع ذلك يهبّون للدفاع عن نظامٍ يواجه شعبه، وكأنّ المعركة معركتهم، وكأنّ دم الضحايا ليس غريبًا عنهم.
هنا لا نكون أمام موقفٍ سياسي تقليدي، بل أمام خللٍ عميق في البوصلة الأخلاقية والوعي الجمعي.
فالسؤال الحقيقي ليس: من المنتصر؟
بل: ما الذي يدفع إنسانًا لأن يقف ضد شعبٍ لا ينتمي إليه، دفاعًا عن سلطةٍ لا تحكمه؟
في الغالب، لا يكمن الجواب في حسابات المصالح أو في دفاتر الجيوبوليتيك، بل في البُنى العميقة للهوية. ففي اللحظة التي تتحوّل فيها الطائفة إلى وطنٍ بديل، تُمحى الحدود السياسية، ويُعاد تعريف الصراع لا بوصفه مواجهة بين شعب وسلطة، بل بوصفه معركة وجودية بين “نحن” و”هم”. عندها تُختزل السياسة إلى انتماء، وتُختزل العدالة إلى ولاء.
فالطائفية لا ترى الإنسان بوصفه مواطنًا، ولا ترى الشعب بوصفه كيانًا أخلاقيًا.
هي لا تسأل: هل النظام عادل؟ ولا تسأل: هل السلطة شرعية؟ بل تكتفي بسؤالٍ واحد: هل هو من جماعتنا؟ وعند هذا السؤال يبدأ الانهيار.
يُختزل شعبٌ كامل في صورة “خصم”، وتُجرَّد معاناته من معناها الإنساني، بينما تُغسَل سلطةٌ قمعية من سجلّها الدموي، وتُعاد صياغتها بوصفها “درعًا للطائفة” أو “حارسًا للهوية”. في هذا الانقلاب القيمي، يصبح الدفاع عن الاستبداد فضيلة، ويغدو الوقوف مع الضحايا ضربًا من الخيانة.
إنّه ولاء لا يقوم على فكرة الدولة، بل على وهم الجماعة المتخيّلة العابرة للحدود. ولاء لا يصنع استقرارًا، بل يوسّع رقعة الصراع، ويحوّل المآسي الوطنية إلى ساحات تصفية حسابات رمزية وإقليمية. فبدل أن تكون الثورات لحظة مساءلة للسلطة، تتحوّل إلى اختبارٍ طائفي، وبدل أن يُسأل النظام عن شرعيته، يُستجوب الشعب في هويته.
الأخطر من ذلك كلّه، أنّ هذا السلوك لا يدمّر فكرة الثورة فحسب، بل يُفرغ مفهوم الدولة ذاته من مضمونه. فالدولة الحديثة لا تُبنى على العصبية، بل على المواطنة، ولا تقوم على القرابة المذهبية، بل على القانون. وحين يُقدَّم الولاء الطائفي على الولاء الوطني، تفقد الحدود معناها، وتصبح السيادة شعارًا أجوف، ويغدو الدم أقلّ قيمة من الراية التي تُرفع باسمه.
ليس كل تضامنٍ عابر للحدود طائفية، وليس كل تعاطفٍ خارجي مدانًا.
لكن كل دفاعٍ أعمى عن سلطةٍ ضد شعبها، بحجّة الانتماء، هو خروجٌ صريح عن منطق الدولة، وانتهاكٌ فاضح لمبدأ العدالة، وخيانةٌ لمعنى الأخلاق السياسية.
فحين تتحوّل الطائفة إلى بديلٍ عن الوطن، لا يعود هناك وطن. بل ساحة صراعٍ مفتوحة،
تتبدّل فيها الشعارات، ويبقى الرابح الوحيد… هو الاستبداد.
إنّ الوطن، في جوهره، ليس أرضًا فحسب، ولا رايةً تُرفع عند الخطر، بل عقدًا أخلاقيًا بين أفرادٍ أحرار، يتساوون في الحق والواجب، ويختلفون دون أن يتقاتلوا. وحين يُستبدل هذا العقد بولاءٍ طائفي، تُفكَّك الدولة من الداخل، لا بسقوط مؤسساتها، بل بانهيار معناها.
فالطائفة، مهما اتّسعت، لا تستطيع أن تكون وطنًا، لأنّها تُعرّف أبناءها بالإقصاء لا بالمواطنة، وبالاصطفاف لا بالعدالة. وكل نظامٍ لا يستمد شرعيته من شعبه، بل من خوف جماعته، هو نظامٌ محكوم بإعادة إنتاج العنف، ولو لبس ألف شعارٍ حمائي.
وحين يتقدّم الانتماء الضيّق على الوطن، لا تنتصر هوية، بل يخسر الجميع: يخسر الشعب حقّه في الدولة، وتخسر الدولة معناها، وتبقى السلطة وحدها، عاريةً من الشرعية، متغذّيةً على الانقسام. ذلك أنّ الأوطان لا تُحمى بالطوائف، بل تُحمى بالعدل. ولا تُبنى بالخوف، بل بالمواطنة. وكل طريقٍ لا يمرّ عبر الإنسان… ينتهي، حتمًا، إلى الاستبداد.

853 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع