
قلم باندان
يدُ التاريخ أطول من يدِ الجبّارين: العروش تزول والاثر يبقى.
ليس التاريخ سجلًّا محايدًا للأحداث، ولا دفترَ أسماءٍ للغالبين، بل كائنٌ حيٌّ له منطقه البطيء وعدالته المؤجَّلة. وهو، وإن بدا في لحظاتٍ كثيرة صامتًا أو متواطئًا، لا يفعل ذلك عجزًا ولا نسيانًا، بل لأن منطقه لا يشبه منطق السلطة، ولا يعمل بإيقاعها العنيف. فالتاريخ لا يستجيب للصراخ، ولا ينحاز للقوة العارية، بل يراكم المعنى، ويختبر الوقائع، ويترك للأشياء أن تبلغ مآلاتها كاملة قبل أن يصدر حكمه. وكل سلطة تحاول اختصاره في شخص، أو احتكاره في رواية واحدة، إنما تدخل – دون أن تدري – في خصومة خاسرة مع الزمن نفسه، لأنها تطلب من التاريخ أن يكون أداة، فيما هو بطبيعته ميزان.
هناك أيدٍ تمادت في طغيانها وتفرُّدها، حتى خُيِّل إليها أنها صارت ربَّ العالمين؛ بيدها المسخ وبيدها الصفح، وبمزاجها تُوزَّع الحريّات وتُصادَر الحيوات. لا ترى في الناس سوى أرقام قابلة للمحو، ولا في القوانين إلا عوائق مؤقتة تُلتفّ عليها أو تُعطَّل عند الحاجة. وهكذا يختلط في الوعي السلطوي معنى السلطة بمعنى القدر، ويُلبَس البطش ثوب المشروعية، ويُسوَّق القمع باعتباره ضرورة تاريخية أو خلاصًا وطنيًا. وحين يستقر هذا الوهم، يتحوّل الحاكم من خادمٍ للزمن إلى خصمٍ له، ومن شاهدٍ على التاريخ إلى كائنٍ يتوهّم أنه قادر على كسره، أو تعليقه، أو إعادة كتابته من جديد.
هكذا يبدأ الطغيان كما وصفه ابن خلدون: لا بولادته صاخبة، ولا بانقلابٍ فجائي، بل بتضخّم العصبية الحاكمة وتحولها من رابطة حماية إلى أداة استئثار. ففي أطوار الدولة الأولى، تكون القوة ضرورة وجودية، وتكون الشدّة وقود البقاء في عالمٍ لا يعترف بالضعفاء. غير أن الخطر لا يكمن في الشدّة ذاتها، بل في لحظة تحوّلها من وسيلة إلى عقيدة، ومن إجراء مؤقت إلى نمط حكم دائم. عندها تخرج السلطة من معناها العمراني، أي من وظيفتها في حفظ التوازن وتنظيم الاجتماع، وتدخل طور الاستبداد، حيث يُختزل العمران في الحاكم، ويُختصر المصير في نزوة، ويغدو الوطن ملحقًا بالشخص لا العكس.
في هذا الطور، لا يعود الجبّار حاكمًا فحسب، بل يتقمّص دور المعنى نفسه. ينصّب ذاته قاضي السماء على الأرض، ويمنح نفسه حقَّ الفصل بين من يستحق العيش ومن يُساق إلى النسيان، بين من يُسمح له بأن يكون، ومن يُدان لمجرد أنه موجود خارج السردية الرسمية. وهنا يبلغ الوهم ذروته: إذ يتخيّل الحاكم أن الدولة قائمة به، وأن زواله يساوي زوالها، وأن أي معارضة ليست اختلافًا مشروعًا، بل تهديدًا كونيًا يجب سحقه. لكنه يغفل – كما نبّه ابن خلدون – أن الظلم مؤذن بخراب العمران، لا لأنه فعل أخلاقي مشين فحسب، بل لأنه يدمّر الثقة، ويكسر العقد الضمني بين السلطة والمجتمع، ويحوّل الدولة من إطار جامع إلى جهاز قسرٍ أعمى.
العروش، مهما تعالت، لا تُبنى على الرهبة وحدها. فالخوف مادة هشّة، تصنع صمتًا مؤقتًا، لكنها لا تُنتج ولاءً، ولا تؤسس دوامًا. وحين يصير الخوف قاعدة الحكم، يعود على صاحبه قبل غيره: يُفسد البصيرة، ويعزل الحاكم عن الواقع، ويحبسه داخل مرآة لا يرى فيها إلا صورته، ولا يسمع إلا صدى صوته. وفي هذه العزلة المصنوعة، تبدأ الدولة بفقدان أخطر ما تملك: قدرتها على الإصغاء. فتُستبدل الحقيقة بالرواية الرسمية، والناس بالأجهزة، والشرعية بالقسر، ويُدار المجتمع بالأوامر بدل المعنى.
وهنا يتحقق ما سمّاه ابن خلدون طور الهرم؛ الطور الذي لا يعني الضعف الظاهر بالضرورة، بل العجز الداخلي، حين تبقى الدولة قائمة شكلًا، لكنها منفصلة روحًا عن مجتمعها، وحين تستمر الحركة بينما يكون القلب قد توقف عن الخفقان. في هذا الطور، قد تبدو السلطة أشد بأسًا، وأكثر تشددًا، لكنها في الحقيقة تكون قد دخلت مرحلة الدفاع الأعمى عن ذاتها، لا عن العمران الذي قامت لأجله.
وعندما تظن يدُ الجبّار أنها أحكمت قبضتها، تكون يدُ التاريخ قد بدأت عملها الخفيّ. لا تضرب بعنف، بل تُراكم. لا تنتقم، بل تكشف. تُسقط الأقنعة واحدًا تلو الآخر، وتعيد ترتيب الأسماء، وتردّ كلَّ شيءٍ إلى حجمه الحقيقي. فكم من يدٍ ظنّت نفسها قدرًا، فإذا بها سطرٌ عابر، وكم من عرشٍ توهّم الخلود، فإذا به هامشٌ في كتاب العمران. يدُ التاريخ لا تُرى، لكنها أطول؛ لا تصرخ، لكنها أفعل؛ وحين تمتدّ، لا تُبقي من الجبّارين إلا العِبرة، ولا من الطغيان إلا شاهده الأخير.

1348 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع