
روبيرت ملحم / كاتب وصحفي
سوء تقدير قدرات إيران: حين تخطئ الحسابات الاستراتيجية
في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، يبقى الشرق الأوسط أحد أكثر الأقاليم عرضة لسوء التقدير الاستراتيجي. وفي قلب هذا المشهد، تبرز إيران كحالة معقدة لطالما أسيء فهمها أو اختزلت قدراتها في قراءات تقليدية لم تعد كافية لفهم طبيعة الصراع. لقد وقعت الولايات المتحدة وإسرائيل، في أكثر من محطة، في فخ سوء تقدير قدرات إيران، ليس فقط من حيث الإمكانيات العسكرية، بل في فهم فلسفة القوة التي تتبناها، وهو ما انعكس على شكل قرارات وسياسات لم تحقق دائما النتائج المرجوة.
إن أحد أبرز أوجه هذا الخلل يتمثل في الاعتماد المفرط على مقاييس القوة الصلبة التقليدية. فالنظرة التي تقيس التفوق العسكري بعدد الطائرات أو تطور الأنظمة الدفاعية قد تبدو منطقية في صراعات تقليدية، لكنها تصبح محدودة الفاعلية عند مواجهة نموذج مثل إيران، التي أعادت تعريف أدوات القوة عبر الاستثمار في الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وتطوير قدرات هجومية غير مباشرة منخفضة التكلفة وعالية التأثير. هذا التحول في طبيعة القوة جعل من الصعب احتواء التهديد ضمن الأطر الكلاسيكية، وخلق فجوة بين التوقعات والواقع.
إلى جانب ذلك، فإن التقليل من أهمية (العمق الاستراتيجي غير المباشر) الذي بنته إيران عبر سنوات طويلة شكل خطأ جوهريا. فبدلا من الاعتماد على الانتشار العسكري التقليدي، اعتمدت طهران على شبكة معقدة من العلاقات والنفوذ الإقليمي، ما أتاح لها القدرة على التأثير في مسارات متعددة دون الانخراط المباشر في المواجهة. هذا النموذج يمنحها مرونة عالية في الرد، ويجعل من أي تصعيد ضدها مسألة تتجاوز حدودها الجغرافية. إن تجاهل هذا الامتداد أو التقليل من فاعليته أدى في كثير من الأحيان إلى مفاجآت ميدانية وسياسية لم تكن في الحسبان.
كما أن سوء فهم العقيدة الاستراتيجية الإيرانية لعب دورا محوريا في تعميق هذا الخلل. فإيران لا تتبنى منطق (الرد الفوري) بقدر ما تعتمد على إدارة الصراع عبر الزمن، فيما يعرف بالصبر الاستراتيجي. هذا المفهوم يقوم على امتصاص الضغوط، وإعادة توزيع أوراق القوة، واختيار توقيت الرد بعناية لتحقيق أكبر قدر من التأثير. غير أن هذا السلوك غالبا ما يفسر في بعض الدوائر على أنه ضعف أو تراجع، ما يقود إلى قرارات مبنية على افتراضات غير دقيقة.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن تجاهل العامل الجغرافي الذي يشكل عنصر قوة بحد ذاته. فإيران ليست فقط دولة ذات مساحة واسعة، بل تمتلك تضاريس معقدة تمنحها عمقا دفاعيا يصعب اختراقه بسهولة. كما أن موقعها الجيوسياسي بالقرب من ممرات مائية حيوية يمنحها قدرة كامنة على التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية، ما يجعل أي مواجهة معها ذات أبعاد تتجاوز الإطار العسكري المباشر.
أما على المستوى الاقتصادي والسياسي، فقد أظهرت التجارب أن أدوات الضغط التقليدية، مثل العقوبات، لا تؤدي دائما إلى النتائج المتوقعة. ففي كثير من الحالات، أسهمت هذه الضغوط في تعزيز النزعة الداخلية نحو التماسك، وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والسياسية بطريقة تقلل من تأثير الضغوط الخارجية. هذا لا يعني غياب التأثير، لكنه يعكس محدودية الرهان على هذه الأدوات كوسيلة وحيدة لتحقيق أهداف استراتيجية.
علاوة على ذلك، فإن أحد أعمق مظاهر سوء التقدير يتمثل في عدم إدراك الطبيعة الهجينة للقوة الإيرانية. فهي ليست قوة عسكرية تقليدية فحسب، ولا هي مجرد نفوذ سياسي، بل مزيج معقد يجمع بين الأدوات الصلبة والناعمة، وبين العمل المباشر وغير المباشر. هذا التداخل يجعل من الصعب التعامل معها عبر استراتيجية أحادية البعد، ويستدعي مقاربة أكثر شمولية تأخذ بعين الاعتبار تعدد المستويات التي تتحرك فيها.
في المحصلة، لا يمكن اختزال مسألة سوء تقدير قدرات إيران في خطأ واحد أو قرار بعينه، بل هي نتيجة تراكمية لقراءات غير مكتملة لطبيعة هذا الفاعل الإقليمي. إن التحدي الحقيقي لا يكمن في مواجهة إيران بقدر ما يكمن في فهمها، لأن أي خلل في هذا الفهم قد يقود إلى سياسات تزيد من تعقيد المشهد بدلا من احتوائه.
إن الدرس الأبرز الذي يمكن استخلاصه هو أن الصراعات الحديثة لم تعد تحسم بالتفوق العسكري وحده، بل بمدى القدرة على قراءة الخصم قراءة دقيقة وشاملة. وفي حالة إيران، يبدو أن هذه القراءة لا تزال بحاجة إلى مراجعة عميقة، تأخذ في الحسبان تعقيدات الواقع بدلا من الاكتفاء بقوالب تحليلية تقليدية لم تعد صالحة لفهم عالم متغير.

874 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع