
أ .ف ب :بدأت مؤشرات التوتر بين الفصائل العراقية المسلحة ورئيس الوزراء المكلف علي الزيدي تظهر مبكراً.
يأتي ذلك بالتزامن مع تصاعد الدعم الأمريكي لحكومة الزيدي المرتقبة، وتكثيف واشنطن ضغوطها على قادة الفصائل المسلحة عبر العقوبات، والمكافآت المالية، والرسائل السياسية المرتبطة بملف السلاح، والنفوذ الإيراني داخل العراق.
وخلال الأيام الماضية، تلقى الزيدي دعماً أمريكياً متصاعداً على أكثر من مستوى، بدءاً من ترحيب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتكليفه، مروراً بالاتصالات السياسية والأمنية التي أجرتها الإدارة الأمريكية مع بغداد، وصولاً إلى التواصل المباشر من وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث.
وفي مقابل هذا الدعم، بدأت بعض الفصائل المسلحة رفع نبرة خطابها تجاه رئيس الوزراء المكلف، وسط تحذيرات مبكرة من انزلاق العلاقة نحو التوتر، على غرار ما حدث مع رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي، الذي واجه خلال فترة حكمه ضغوطاً سياسية وأمنية وإعلامية متواصلة من جماعات مسلحة اتهمته بالانحياز إلى الولايات المتحدة.
ووصف عضو ميليشيا النجباء، مهدي الكعبي، رئيس الوزراء المكلف، علي الزيدي، بأنه شخصية "فُرضت" أمريكياً، مؤكداً أن الزيدي "جاء بالقطار الأمريكي"، تماماً كما حصل مع مصطفى الكاظمي.
وأضاف الكعبي أن توقيت تكليف الزيدي تزامن مع زيارة المبعوث الأمريكي توم برّاك، لافتاً إلى أن بعض قادة الإطار التنسيقي فوجئوا بهذا القرار.
وقال الكعبي إن حركة النجباء ستحدد موقفها النهائي من الحكومة بناءً على برنامج الزيدي وموقفه من "المقاومة والجمهورية الإسلامية"، مضيفاً أن الحركة "لن تكون جزءاً من المشروع الأمريكي في العراق والمنطقة".
تحركات أمريكية متسارعة
وجاءت هذه التصريحات بعد ساعات من إعلان وزارة الخارجية الأمريكية تخصيص مكافأة مالية تصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات تقود إلى زعيم حركة النجباء أكرم الكعبي، ضمن برنامج "مكافآت من أجل العدالة"، الذي توسع مؤخراً ليشمل عدداً من قادة الفصائل العراقية المسلحة.
وسبق لواشنطن أن أعلنت مكافآت مماثلة بحق قادة آخرين، بينهم قائد كتائب حزب الله، أحمد الحميداوي، وقائد كتائب سيد الشهداء، أبو آلاء الولائي، بالتزامن مع فرض وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على سبعة من قادة الفصائل المسلحة، واتهامهم بالتورط في استهداف المصالح الأمريكية داخل العراق والمنطقة.
وتقول الإدارة الأمريكية إن هذه الجماعات متورطة في استخدام طائرات مسيّرة إيرانية، وشن هجمات ضد منشآت دبلوماسية وعسكرية، فضلاً عن تقويض سلطة الدولة العراقية وإضعاف مؤسساتها الأمنية.
وفي هذا السياق، قال الباحث في الشؤون الاستراتيجية، علاء النشوع، إن "الدعم الأمريكي الواضح لعلي الزيدي يمنحه غطاءً سياسياً مهماً خلال مرحلة تشكيل الحكومة، ويجعل كثيراً من القوى المسلحة تتعامل بحذر مع المرحلة الحالية".
وأضاف النشوع، لـ"إرم نيوز"، أن "الفصائل لا تستطيع اتخاذ موقف تصعيدي مباشر ضد الزيدي في الوقت الراهن، إلا إذا حدثت متغيرات سياسية أو عسكرية أو أمنية كبيرة في المنطقة، لأن تلك التطورات ستكون الاختبار الحقيقي لموقف رئيس الوزراء، وما إذا كان سيميل إلى واشنطن أو طهران".
ويواجه الزيدي ضغوطاً معقدة تتجاوز مسألة تشكيل الحكومة أو توزيع المناصب، إذ بات ملف الفصائل المسلحة يمثل التحدي الأكبر أمام حكومته المرتقبة، خاصة مع ربط واشنطن مستوى التعاون مع بغداد بقدرة الحكومة الجديدة على التعامل مع السلاح المنفلت، والجماعات المقربة من إيران.
تجربة مصطفى الكاظمي
وفي الوقت نفسه، تتحرك الفصائل المسلحة داخل المشهد السياسي بثقل برلماني وحكومي واضح، إذ تمتلك أجنحة سياسية ووزراء ونواباً ومناصب تنفيذية، ما يجعل أي محاولة لتقليص نفوذها أو استبعادها من الحكومة المقبلة مسألة شديدة الحساسية داخلياً.
وخلال الساعات الماضية، عاد زعيم حركة النجباء أكرم الكعبي للتشديد على رفض أي حديث يتعلق بنزع سلاح الفصائل، مؤكداً أن "سلاح المقاومة خط أحمر ولن يُسلم ولو بذلت الأرواح".
واعتبر متابعون هذه الرسالة تعبيراً واضحاً عن طبيعة الصراع المقبل بين مطالب واشنطن ورؤية الفصائل المسلحة.
ويستحضر كثيرون تجربة مصطفى الكاظمي بوصفها النموذج الأقرب لما قد يواجهه الزيدي خلال المرحلة المقبلة، خاصة أن الكاظمي الذي تسلم المنصب خلال الأعوام (2020 – 2022) تعرض منذ الأيام الأولى لتكليفه إلى حملات تخوين وتهديد وضغوط سياسية متواصلة من جماعات مسلحة اتهمته بالعمل لصالح الولايات المتحدة.
ولم تتوقف الضغوط عند الجانب السياسي والإعلامي، بل وصلت إلى استهداف مباشر لمنزل الكاظمي بطائرات مسيّرة نهاية عام 2021، بعد فترة من التوتر الحاد بين حكومته وبعض الفصائل المسلحة، على خلفية محاولات فرض هيبة الدولة وملاحقة جماعات متهمة بتنفيذ هجمات صاروخية واستهداف البعثات الدبلوماسية.
فرصة لضبط أوضاع العراق
من جهته، قال الباحث في الشؤون السياسية، حسين الطائي، إن "الإدارة الأمريكية تنظر إلى حكومة الزيدي بوصفها فرصة لإعادة ضبط العلاقة مع العراق ضمن معايير جديدة تتعلق بالأمن والطاقة والسيطرة على القرار السيادي".
وأضاف الطائي، لـ"إرم نيوز"، أن "الفصائل المسلحة تدرك أن أي تقارب كبير بين الزيدي وواشنطن قد يؤدي إلى تضييق نفوذها السياسي والعسكري، لذلك فإن مرحلة الهدوء الحالية قد لا تستمر طويلاً، خصوصاً إذا بدأت الحكومة باتخاذ خطوات عملية تتعلق بالسلاح أو النفوذ الاقتصادي والأمني لتلك الجماعات".
وأشار إلى أن "الولايات المتحدة لا تبدو معنية فقط بشكل الحكومة المقبلة، بل بطبيعة أدائها في الملفات الحساسة، وفي مقدمتها ملف الفصائل، والدولار، والعلاقة مع إيران، وهو ما يضع الزيدي أمام واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ سنوات".
يأتي ذلك في وقت يواجه فيه العراق تحديات اقتصادية وأمنية متشابكة، أبرزها تداعيات أزمة مضيق هرمز، والضغوط المتعلقة بتحويلات الدولار، إلى جانب المخاوف من أي تصعيد أمني قد يؤثر على صادرات النفط أو الاستقرار الداخلي، ما يجعل الحكومة المقبلة أمام اختبار سياسي وأمني منذ أيامها الأولى.
649 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع