البسطرمة وحديث الذكريات: الجزء الثاني

الأستاذ الدكتور باسل يونس ذنون الخياط
أستاذ مُتمرِّس/ جامعة الموصل

 

البسطرمة وحديث الذكريات: الجزء الثاني

البسطرمة أكلة شتوية شهيرة، وهي سفيرة الأكلات العراقية، وكانت العوائل تقوم بصنعها منزليا، كما كانت ترسلها هدايا نفيسة إلى أحبابهم وأصدقائهم داخل العراق وخارجه.

لكل منا ذكرياته الخاصة مع البسطرمة، ولي شخصيا ذكريات منقوشة في ذهني صاحبتني في فترتي طفولتي وشبابي.

كانت المرحومة والدتي تحرص على عمل البسطرمة مع قدوم فصل الشتاء، حيث كان المرحوم والدي يشتري لها مستلزماتها الخاصة من بهارات وثوم وحاويات مجففة مصنوعة من أمعاء الحيوانات (شرادين). وفي يوم عمل البسطرمة يتم شراء كمية مناسبة، لا تقل عن عشرة كيلوات، من لحم الأبقار المثروم.

في بداية شتاء 1971 اشترى المرحوم والوالدي كمية مناسبة من اللحم كعادته لعمل البسطرمة، فوضعته المرحومة الوالدة في (لَگنْ) العجين وأخذت تهيئ مستلزمات البسطرمة من تقشير الثوم وتهيئة البهارات التي قسم منها كانت تُطحن في وقتها بالهاون لكيلا تفقد شيء من رائحتها.

وعند المساء اُذيع في التلفزيون خبر صاعق عن قيام بعض المواطنين بأكل (حنطة مسمومة) مستوردة، بينما قام الآخرون بإطعام الماشية (شعير مسموم)!!

سمع المرحوم والدي الخبر الصاعق وأصيب بالذهول وبقي سامتا ولم يُعقّب، ثم خرج بصمت من البيت وعاد بعد قرابة نصف ساعة.

أكملت المرحومة الوالدة تجهيز مستلزمات البسطرمة من ثوم وبهارات ثم ذهبت إلى المطبخ فلم تجد (لَگنْ) العجين الذي به لحم البسطرمة!! وعند الصباح فوجئ الجيران بوجود كمية كبيرة من اللحم المثروم الفاخر تأكله الكلاب بين أشجار الفستق في بستان (محمد طه الصوفي) والتي تقع حاليا على شارع (الدواسة خارج) مقابل دائرة الكهرباء في الدواسة!

عند ذلك عرفنا أن المرحوم الوالد خاف على عائلته من التسمم، كما خاف أن يعطي اللحم لأحد للسبب نفسه، فقام برمي لحم البسطرمة هناك خوفا من التسمم بالحنطة المسمومة!

لقد كانت كارثة الحنطة المسمومة من الكوارث التي أصابت العراقيين ودامت سنة كاملة، وكان سببها استيراد وتوزيع حنطة مكسيكية وشعير أمريكي مُعالج بمبيدات وبالزئبق ضد الآفات الزراعية، تلك الحنطة كانت مُخصصة أساسا للزراعة فقط وغير صالحة للاستهلاك البشري.

نعم كانت كارثة الحنطة المسمومة على الرغم من وجود تحذيرات مكتوبة على أكياس الحنطة باللغتين الإسبانية (لغة المكسيك) والإنكليزية (ولكن لا يوجد تحذير باللغة العربية).

ونتيجة لحالة الجفاف وانقطاع المطر للسنتين السابقتين، فقد قام العديد من المواطنين باستعمال الحنطة المسمومة بالخبز، كما قام البعض الآخر بتقديم الشعير المسموم علف للماشية!!

لقد أحدثت كارثة (الحنطة المسمومة) ضجة كبيرة داخل العراق، وامتلأت المستشفيات بحالات التسمم، حيث كان الناس يجلبون المصابين بالتسمم بالبطانيات ويضعونهم بالممرات مكدسين.

وقد استمرت الاصابات حتى وصلت ذروتها في شهر الأول كانون الثاني واستمر الحال حتى الشهر الخامس أيار لسنة 1972.

لقد استمرت حالة الرعب ثمان أشهر، وكانت هناك حالات من الإصابة بالعمى إضافة إلى الوفيات، وقد قاطع الناس اللحوم الحمراء واستعاضوا عنها بلحوم الأسماك، كما تم إدخال لحوم أغنام تركية مجمّدة؛ إلا أن الناس لم تتقبلها لأن اللحوم العراقية أفضل منها بالأكل.

ومع تلك الكارثة، كانت في ذلك الوقت أزمة كاز كبيرة تعيشها الموصل والمنطقة الشمالية في العراق، ومع هذا خرجت اهزوجة شعبية تقول كلماتها:

أبو هيثم لا تهتم
نشرب كاز ونأكل سم

وبتلك السنة استعمل الناس الكوسة (القرع) والخضروات لعمل كباب الطاوة، وابتكروا دولمة بالحمص بدل اللحم، وكذلك اكتفوا بالأكلات التي لا يُستعمل فيها اللحم...وقد عانى الناس كثيرا، وأصيب العديد من المصابين الذين تناولوا تلك الحنطة بالشلل أو العمى كما وتوفي العديد منهم.

ومن المعروف أن الحنطة المعفَّرة بمركبات الزئبق تؤدي إلى ترسب الزئبق في الكبد فتتوقف وظائفه، ويترسب الزئبق في المخ، فيفقد الإنسان السيطرة على أعضاءه.. ولهذا استمر إتلاف "المعلاق" لفترة حتى بعد إجازة ذبح الاغنام والأبقار.

يقول الطبيب الدكتور أنام الصالحي: "(واقعة التسمّم بالزئبق العضوي باستهلاك الحنطة في العراق 1971-1972): استوردت وزارة الزراعة في العراق حبوب الحنطة المعالجة بالزئبق العضوي (Methyl Mercury) من المكسيك والولايات المتحدة الامريكية وذلك لحفظها من الإصابة الفطرية، وكانت تلك الحنطة بنوعية ممتازة بكافة المواصفات. تم توزيع الحنطة على الفلاحين لغرض زراعتها، وقد زرع الفلاحون في العراق بعضا منها وتناولوا منها، كما باعوا منها في الأسواق واستهلكها الناس. وبعد عدة أشهر بدأت تصل إلى المستشفيات في العراق حالات غريبة بأعراض تضرر الجهاز العصبي وولادات مُشوَّهة.

حار الأطباء في التشخيص، وتفتق ذهن بعضهم بأن تلك الأعراض هي أعراض داء الكلب Rabies المصاحبة لالتهاب الدماغ. فإنطلقت حملة للقضاء على الكلاب والقطط السائبة، ودفعت الحكومة مكافأة مالية لمن يصطاد تلك الحيوانات المسكينة!!

واخيرا.. وبجهد علمي متميز لعدد من أعلام الطب في العراق، تم اكتشاف السبب، واُتخذت إجراءات حاسمة لإتلاف الحنطة المسمومة.

لقد قام الفلاحون بتقديم تلك الحنطة لحيواناتهم، والزئبق يترسب في الانسجة، فأصبحت المواشي مصدرا جديدا للتسمم. فتم إيقاف استهلاك اللحوم المحلية، وتعرف العراقيون على لحوم اللانشون واللحم بالذرة corned beef والأسماك بأنواعها كبدائل عن لحوم الأغنام والأبقار.

لقد دام الحضر على اللحوم المحلية قرابة العام، وتم التأكد في نهايتها بانتهاء تلك الواقعة المؤلمة.

لقد عمل الباحثون العراقيون يدا واحدة بعربهم وكردهم وكافة طوائفهم دون تمييز، وكانت أسماؤهم تسبق أسماء الباحثين الأجانب، وقد نشر الأطباء العراقيون الأعلام تفاصيل تلك الواقعة في مجلة Science العالمية.

ولم تعلن الجهات المختصة عن الاعداد الحقيقية للوفيات، وقد أعلنت الجهات الرسمية أن عدد الإصابات بحالات التسمم بالحنطة المسمومة بلغ 5000 إصابة وبلغ عدد الوفيات 459 وفاة، ويُعتقد أن الأعداد الحقيقية أكثر من ذلك. وقد مُنع؛ وبشكل مُشدد؛ الحديث عن هذه القضية بين الناس ولم يتم تداولها في وسائل الإعلام. وقد تدخلت منظمة الصحة العالمية وقدّمت المساعدات والدواء واعتبرت ذلك أكبر حادثة تسمم غذائي بالتاريخ الحديث والقرن العشرين".

﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ ۗ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: 111).

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى.

فيديوات أيام زمان

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

1521 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع