
حسام عبد الحسين
جوائز "جوي" واستعمار الفن العربي: قراءة في تحويل الفن إلى سلعة
عندما تعلن جوائز "جوي" في نسختها لعام ٢٠٢٦ أن الحفل لا معنى له دون العراق، فإن هذا الإعلان لا يخلو من تناقض صارخ. فهو يأتي ضمن سياق تحويل الفن والثقافة إلى سلع تخدم مصالح طبقة رأسمالية جديدة تسعى لإعادة تشكيل الوعي الجمعي العربي وفق رؤيتها.
لطالما كان الفن، جزءاً من البنية الفوقية التي تعكس صراعات القاعدة الاقتصادية. وعندما يتحدث البعض عن تفوق فنان مثل كاظم الساهر (هنا اقصد معنى العراق)، فإن هذا التفوق لا ينفصل عن السياق التاريخي الذي أنتج فن المقاومة والكبرياء العربي في حقبة معينة، مقابل تحويل الفن اليوم إلى أداة لترسيخ قيم الاستهلاك والخضوع. ولهذا (القيصر) هو الجائزة الحقيقية للعالم العربي.
ما نراه في فعاليات "موسم الرياض" ليس سوى إعادة إنتاج لعلاقات اجتماعية بالية تحت غطاء الترفيه. حيث لا تكمن خطورة استدعاء أعمال مثل مسلسل “باب الحارة” في نوستالجيا الماضي فحسب، بل في إعادة تدوير نموذج اجتماعي يُقدم بوصفه هوية أصيلة، بينما هو في جوهره اختزال أيديولوجي يخدم استقرار البنى الذكورية والسلطوية. فالمرأة فيه ليست فاعلاً تاريخياً، والفقير ليس ذاتاً سياسية، والصراع الطبقي يستبدل بصراعات أخلاقية سطحية تفرغ التاريخ من تناقضاته الحقيقية.
إن تحويل الفن إلى سلعة لا يتم فقط عبر الرعاية والتمويل، بل عبر إخضاعه لمعايير الربح، نسب المشاهدة، وعدد التفاعلات الرقمية. في هذا السياق يصبح العمل الفني الذي لا يُدرّ أرباحاً أو لا ينسجم مع الصورة الترويجية المرغوبة عملاً غير قابل للحياة، مهما بلغت قيمته الجمالية أو النقدية. هكذا يُستبعد الفن المقلق، ويُعاد إنتاج الفن الآمن، القابل للاستهلاك السريع، والمنزوع الدسم السياسي.
تعمل الرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية، التي تمثلها دول مثل السعودية، على تركيز إنتاج الثقافة والفن في أيدي قلة. هذا الاحتكار ينتج في معظمه كمّا هائلا من المسلسلات والأفلام الفارغة، التي تكرس القيم الاستهلاكية وتقدم وعياً زائفاً للجماهير. النتيجة الحتمية هي إهمال المواهب الحقيقية وترويج لنماذج فنية مقلدة تخدم السوق لا الفن.
الفن الحقيقي، كما تشير التجربة السورية مؤخراً في بعض اعمالها، هو ذلك الفن الذي يمارس "المشاكسة" النقدية، ويكشف تناقضات المجتمع، ويفتح آفاقاً للتغيير. لكن الرأسمالية تسعى دائماً لاستيعاب الفن التقدمي وتحويله إلى سلعة، أو إقصائه لمصلحة إنتاج ثقافي يكرس الخضوع.
إن معركة الفن الحقيقي اليوم ليست جمالية فحسب، بل هي معركة ضد تحويل الفن (وحتى الثقافة) الى صناعة تخدم مصالح الطبقة الرأسمالية المسيطرة. الفن التقدمي في العالم العربي مطالب باستعادة دوره النقدي، وكسر احتكار الإنتاج الثقافي، والانحياز للطبقات الكادحة في صراعها من أجل عالم أكثر عدلا.
إن انتشار هذا النمط من الإنتاج الثقافي لا يعود إلى “سذاجة الجماهير”، كما يُروج أحياناً، بل إلى شروط مادية قاهرة: الفقر، القلق، غياب البدائل، وهيمنة منصات ضخمة تحدد ما يشاهد وما يُهمّش. في ظل هذا الواقع، يصبح الترفيه المُفرغ من أي بعد نقدي ملاذاً مؤقتاً من بؤس يومي، لا خياراً حراً بالكامل.
فن المقاومة ليس ترفاً، بل ضرورة تاريخية في زمن تحاول فيه الرأسمالية احتواء كل أشكال الوعي وصبها في قوالب استهلاكية عقيمة.
لذا، الفن التقدمي لا يُقاس فقط بشعاراته أو نواياه، بل بقدرته على زعزعة المسلّمات، كشف علاقات القوة، وفتح أفق تخيلي بديل. هو فن لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة محرجة، ويعيد للمتلقي موقعه كذات ناقدة لا كمستهلك سلبي.

933 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع