فارس الجواري
مطارات العراق الحكومية بين الاعتصام والتفريط… حين يدفع الإهمال كوادر السيادة إلى الشارع
شتاء بغداد القارس لم يمنع كوادر مطاره وزملائهم من مطار البصرة من الاعتصام لا بدافع التصعيد ولا بحثا عن مكاسب آنية بل كصرخة أخيرة في وجه مسار طويل من الإهمال والتهميش وسوء الإدارة الذي طال واحداً من أكثر القطاعات حساسية وسيادية في الدولة العراقية ألا وهو قطاع المطارات , حيث لم تكن هذه الاعتصامات حدثاً عابراً يمكن تجاوزه بالصمت أو التسويف بل تحولت إلى مرآة عاكسة لأزمة هيكلية عميقة تضرب قلب إدارة المطارات الحكومية العراقية وتطرح أسئلة محرجة حول مفهوم الدولة وحدود المسؤولية وأولوية المصلحة الوطنية في هذا القطاع الحيوي المهم .
أن أحد جذور الأزمة يتمثل في اختزال إدارة المطارات الحكومية إلى مجرد “دائرة” داخل وزارة النقل في قرار إداري لا ينسجم مع طبيعة هذا القطاع ولا مع حجمه ولا مع دوره الأمني والاقتصادي هذا الاختزال لم يكن إجراءً تنظيمياً بريئاً بل يقرأ أنه أسس عملياً لتهميش الكوادر وتقييد الصلاحيات في المقابل في وقت ما زالت شركتا الخطوط الجوية العراقية والملاحة الجوية العراقية المنضويتين تحت نفس الوزارة الخدمية المسؤولة عن المطارات تعملان ككيانين مستقلين نسبياً ضمن هذ الوزارة بما يطرح سؤالاً مشروعاً لماذا تُستثنى المطارات من هذا المنطق المؤسسي وهل أصبحت إدارة المنافذ الجوية أقل شأناً من تشغيل الطائرات أو تنظيم الأجواء هذا المشهد يناقض التوسع الحكومي بافتتاح مطارات جديدة كمطار الموصل والاستعداد لافتتاح مطار الناصرية وفي نفس الوقت تُترك فيه الكوادر العاملة في مطاري بغداد والبصرة بلا رؤية وظيفية واضحة ولا مسار مهني مستقر ولا أفق تطويري وهو مخالف لاعمال ادارة مطارات ناجحة حيث مازالت المطارات الحكومية تعاني من شلل إداري واحتقان وظيفي جعل خطاب “الاستثمار” ينتشر بوصفه الحل الأسهل والأسرع وغالباً دون تقييم حقيقي لتجارب سابقة أو مساءلة جدية لنتائجها ولعل تجربة مطار بغداد الدولي تمثل نموذجاً إشكالياً على ذلك كون إن عقد استثماره أحيل إلى شركة مقاولات عراقية بنسبة 57% للمستثمر مقابل 43% للحكومة وهي نسب تتعلق بإيرادات سنوية تُقدَّر بعشرات المليارات من الدنانير كانت تدخل ميزانية الحكومة وبعد مرور أشهر على توقيع هذا العقد لا يزال مطار العاصمة ينتظر الشركة المستثمرة لتطويره في غياب واضح للشفافية في تنفيذ الالتزامات المتفق عليها بهذا العقد وارسل رسالة ضمنية تشير الى ان الكادر غير مؤهل… والحل هو المستثمر دون تقديم أي دليل مهني أو تقييم موضوعي.
لقد مرّ وقت ليس بالقليل على الاعتصامات وسط صمت حكومي وإعلامي لا يمكن تفسيره إلا كاستخفاف بمعاناة شريحة تمثل العمود الفقري لتشغيل المنافذ الجوية في وقت غاب عن الاعتصام فُتح حوار مؤسسي جاد مع الادارات العليا لهم وكأن الرهان قائماً على عامل الوقت وإرهاق المحتجين علما ان الموظفين لا يطالبون سوى بما يفترض أن يكون بديهياً في دولة مؤسسات وهي وجود هيكل إداري واضح،عدالة وظيفية،خطة إصلاح معلنة، واعتراف بقيمة الخبرة المتراكمة وهذه المطالب الحل فيها واضحا وبسيطاً في جوهره يمكن يكون معقَّداً في الإرادة السياسية ألا وهو تأسيس شركة للمطارات العراقية على غرار شركتي الخطوط الجوية العراقية وشركة الملاحة الجوية بشرط وجود إدارة مهنية تخصصية تدير هذ الشركة بعيدا عن المحاصصة والمحسوبية تعمل على رسم خطة اصلاحية لتطوير واقع المطارات الحكومية وفق المعايير الدولية كي تعيد الاعتبار للكوادر الوطنية بوصفها شريكاً في القرار لا عبئاً عليه.
في نهاية مقالتي هذه أتوجه برسالة إلى البرلمان الجديد واقول أن ما يجري اليوم في مطاري بغداد والبصرة ليس ملفاً خدمياً هامشياً بل قضية سيادة وأمن واقتصاد , والمطارات ليست مشاريع مقاولة ولا ساحات تجارب إدارية وأن استمرار تجاهل كوادرها لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأزمة وتعميق فقدان الثقة لذا اصبح لزاما عليكم بصفتكم الجهة التشريعية الرقابية لمؤسسات الدولة بإنصاف الخبرة الوطنية والمطالبة ببناء مؤسسة مطارات حقيقية كونه لم يعد خياراً سياسياً بل استحقاقاً وطنياً مؤجلاً فهل تكون هذه الاعتصامات نقطة التحول… أم حلقة أخرى في سجل الإهمال؟
#شركة_المطارات_العراقية

1181 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع