
ولاء سعيد السامرائي
مارك كارني الكندي وبناء نظام عالمي جديد
حّول رئيس وزراء كندا مارك كارني الهجوم العنيف الذي يشنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على العالم الى مناسبة تاريخية في منتدى دافوس لدعوة القوى الوسطى ومن يرغب الانضمام اليها لبناء نظام عالمي جديد على خراب النظام السابق الذي انتهى بدون رجعة وبدون اسف عليه. فكك مارك كارني في خطابه امام الدول المشاركة في المنتدى ميكانيكية الخضوع الطوعي للقوة كما عرفت في مجتمعات الأنظمة الشيوعية التي عاشت خاضعة لعقود تحت شعار يا عمال العالم اتحدوا، ذلك لان طقوس هذا الشعار قد تبعه الجميع دون اعتراض لتجنب المشاكل التي يسببها رفض الشعار، والتي سادت أيضا عالميا بعد هيمنة القوة الأكبر ليصبح شعار أكبر دولة ديمقراطية رأسمالية هو "من ليس معنا فهو ضدنا" الذي أخضع العالم والشعوب بنفس الميكانيكية التي يدينها. لقد خضعت الدول حول العالم لهذا المنطق وتكيفت معه طلبا للاستقرار والأمان ولتجنب المتاعب. ان قوة مثل هذا النظام لا تأتي من حقيقته بل من استعداد الجميع للتصرف كما لو كان صحيحا. وهذا ما شهده العالم لأكثر من ستة عقود مع النظام الشمولي الشيوعي ويعيشه العالم منذ بداية التسعينات من القرن الماضي الى اليوم.
يُسمى مشهد الاحداث التي تجري عالميا اليوم في علم الإدارة بإدارة المخاطر، وهو كما يقول مارك كارني مشهدا كلاسيكيا يجب الإسراع بمواجهته لذلك دعا في كلمته امام منتدى دافوس وبحضور الرئيس دونالد ترامب، القوى المتوسطة ومن يلتحق بها ان تتكيف وتتعاون لتقاسم ثمن كلفة الاستقلال الاستراتيجي والسيادة. يعرض رئيس وزراء كندا تصورا واقعيا ودرسا معتبرا وخارطة طريق لمواجهة الاحداث الجارية يبدأ من الاقتصاد اذ ترفض كندا وكثير من الدول التي أعلنت صراحة موقفها من استخدام التكامل الاقتصادي كسلاح والتعريفات الكمركية كرافعة مالية والبنية التحتية كأكراه وسلاسل التوريد كنقاط ضعف لفرض التبعية الكاملة، حيث يصادر فيها القرار والسيادة بحجة المنفعة المتبادلة وتسوق بأكاذيب منمقة، هدفها السيطرة والهيمنة على الثروات ومعادن البلدان بالكامل. يقترح كارني على القوى الوسطى ان تعمل معا وتتفاوض معا لان التفاوض المنفرد مع القوى العظمى انفراديا هو نقطة ضعف بينما العكس هو الصحيح، اذ ان لدى البلدان الاختيار بين التنافس وبين الاندماج لإنشاء مسار ثالث له تأثير، يعتمد بناء اقتصاد محلي قوي يكون الأولوية الفورية لكل حكومة مع التنويع على الصعيد الدولي الذي هو ليس مجرد حكمة اقتصادية بل انه أساس مادي لسياسة خارجية صادقة لان البلدان تكسب الحق في المواقف المبدئية من خلال الحد من تعرضها للانتقام. امام ما يسمى نظام تكثيف القوة الذي يستخدمه ترامب ، يتوجب على الدول والقوى الوسطى ان لا تدع صعود القوة الصلبة تعميها عن حقيقة ان قوة الشرعية والنزاهة والقواعد ستبقى قوية اذا اختارت تطبيقها سوية ، لذا على هذه القوى الوسطى ان تعيش الحقيقة وتسمي الواقع كما هو وان تتوقف عن التذرع بالنظام الدولي القائم على القواعد كما لو كان ما يزال يعمل كما هو معلن ، اذا لم تنتقد القوى الوسطى ما يجري من تغاير المعايير حينما تأتي من اتجاه وتلتزم الصمت عندما يأتي من اتجاه آخر فهي ستقبل بالصمت والاذعان وتبقي راية الخضوع مرفوعة، بينما يعني انشاء مؤسسات واتفاقيات تعمل كما يجب تقليل النفوذ الذي يّمكن الاكراه، انه يعني بناء ما نؤمن به بدلا من استعادة النظام القديم المنهار.
كما اعتبر رئيس وزراء كندا ان وجود تكامل ومعايير مشتركة ومبدئية ) موجودة لدى الدول العربية خصوصا من دون الدول الأخرى ( سواء على مستوى الاقتصاد وشراكاته وعلى مستوى القانون الدولي المخطوف بين القوى المختلفة هي مجموع إيجابي لان الاستثمارات الجماعية ارخص من ان يقوم الجميع ببناء قلاعه الخاصة ، وكذلك القيام بشيء أكثر طموحا وفق منهج جديد وصفه رئيس فنلندا ألكسندر سنوب بالواقعية القائمة على القيمة الذي يعني الموقف المبدئي والواقعية وهو ما سيجعل تأثير الكتلة إيجابيا، في الالتزامها بالقيم الأساسية والسيادة والسلامة الإقليمية وحظر استخدام القوة الا عندما يكون ذلك متسقا مع ميثاق الأمم المتحدة واحترام حقوق الانسان وبراغماتي في الاعتراف بأن التقدم غالبا ما يكون تدريجيا وان المصالح تتباين وانه لن يشارك كل شريك كل قيمها ، من جانبنا ، نحن نقوم بقياس علاقاتنا بحيث تعكس قيمنا في عمقها.
ان ما قام به الرئيس الأميركي ترامب منذ وصوله قبل عام الى رئاسة الولايات المتحدة من مطالبته بضم جزيرة غرينلاند وكندا وتصريحه باعتبار غزة ملكية يجعل منها ريفيرا يستثمر فيها وتغيير اسم خليج المكسيك مطلقا عليه اسم خليج اميركا، وخطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته بعملية عسكرية أمريكية إسرائيلية ووضع اليد بافتخار وعنجهية على أكبر احتياطي نفطي عالمي وتوزيعه )في مشهد صدم حتى الشركات النفطية نفسها( ببساطة على الشركات الامريكية وتهديد كولومبيا والتصريح بان سلفة السابق جورج دبليو بوش قد غزا العراق ولم يأخذ النفط وانه سيأخذ ربعه، إضافة الى اعتدائه السافر على الرئيس الفرنسي وأهانته امام العالم أكثر من مرة ، صدم وأذهل دول العالم أمريكية واوربية، اسيوية وافريقية، بل ان دول الأميركتين تصدت مباشرة ودون دبلوماسية لنزعات ساكن البيت الأبيض الذي لم يبد احتراما لاي حدود ولا لاي قانون ولا بروتوكول ، والذي يبدو انه يعيش في عالم منفصل عن عالم البشر، بين مالاراغو ويمينية وتطرف عقلية الماغا وأرقام المليارات )التي قدمت له وزادت في تنمره (، تصدوا برفض طلب احتلاله لغرينلاند وكندا ووقفوا معها ومع الدنمارك، رفضوا الضرائب الابتزازية، بينما يستمر عدد من البلدان التي فهمت ما يتعين عليها عمله مغادرة ودعم هذا النوع من الهيمنة المتغطرسة الفجة والمهووسة.
بانتظار تشكل كتلة القوى الوسطى ومن سيلتحق بها والتي يمكن ان تضم أكثر من مليار ونصف المليار شخص في العالم، اتخذت دول مثل كندا وفرنسا وبريطانيا ومعها غالبية الدول الاوربية والاسيوية وبريكس إجراءات مستعجلة لتطوير استقلاليتها واستراتيجياتها الوطنية في اهم المجالات في الطاقة والغذاء والمعادن والتمويل وسلاسل التوريد. ودون تأخير وقعت فرنسا عقودا ضخمة مع الصين وقررت التخلي عن التكنولوجيا الامريكية في بعض القطاعات الحساسة والوطنية بعدما سمح لها قبل اكثر من عقد ونصف من الهيمنة الكاملة رغم وجود الكفاءة والابداع الفرنسيين المشهود لهما والذي تم استبعاده في عهد نيكولا سركوزي عمدا لفتح السوق الفرنسي لصالح الشركات الامريكية لتحقيق مزيد من الأرباح على حساب العمالة الفرنسية، وكذلك فعل الاتحاد الأوربي، وقامت كندا بتوقيع 12 صفقة تجارية وامنية مع اربع قارات وفي ستة اشهر وخلال الأيام الماضية ابرمت شراكات استراتيجية جديدة مع الهند وقطر، وتدعم اليوم في خارطة الطريق المقترحة في دافوس بناء الشراكة عبر المحيط الهادئ والاتحاد الأوربي وانفتاحها على القيام بتحالفات يعتمد عليها في المستقبل لمواجهة التحديات.
لقد استجابت دولا كثيرة لمقترح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني وعلى الاغلب فأن دولا كثيرة ستسارع للانضمام لهذا التكتل لأنه بديل عملي وواقعي وليد التطورات التكنولوجية الحديثة الهائلة ، خطة رصينة وفعالة تجمع بين الاقتصاد والقانون الدولي، تقوم على أسس إنسانية واحترام متبادل، احترام وتفهم للخصوصيات المحلية، انها خطة انقاذ لكثير من الدول وخاصة الدول العربية التي تجد حدودها وسيادتها مهددة تتعاظم عليها الضغوط والحصار بل انها مهددة بالابتلاع الكامل ومن نهب وسرقة الثروات من قوة الاحتلال الصهيونية باحتقار كامل للقانون. خاطب مارك كارني الدول المشاركة في دافوس بالقول اذا شكلنا هذا التكتل الذي سيساهم بنظام عالمي جديد فأننا سنكون على الطاولة وليس على قائمة الطعام ولعل الدول العربية هي الدول الأهم التي يتوجب عليها التفكير الجاد والعملي فيما بينها بهذا المقترح وبعدها الانضمام لتكتله أولا لتدافع عن دولها وعن حدودها وسيادتها المهددة التي ورغم المعاهدات التي كلفتها مليارات منذ عقود لم تساهم في حمايتها ولا في صيانة أمنها، وان يكون لها ظهير في تكتل القوى الوسطى التي تتعهد باحترام القانون الدولي وحقوق الانسان وسيادة الدول وحقها في الدفاع عن أراضيها وثرواتها ضد الكيان الصهيوني الذي يعمل ليل نهار ضد كل منطقتنا وليس في فلسطين فحسب مدعوما بقوة من أمريكا وبعض دول اوربا الاستعمارية التي تختفي خلف دولة الاحتلال ومحمية الامارات التي تعيث فساد وتهدد كرأس حربة السعودية ومصر والسودان والصومال واليمن وكامل المنطقة العربية ووجودها. انها فرصة ثمينة يقدمها" القدر" لدولنا وحكوماتنا كي تقتنصها وتلتحق بهذا التكتل، بعد عامين من حرب الإبادة على غزة وعلى شعبنا الفلسطيني، فرصة لا تفوت لمواجهة التوسع والضغوطات والتهديد بسلام القوة الغاشم ومشاريعه الشيطانية التي تهدف لاحتلال كامل العالم العربي وليس فقط تحقيق وهم إسرائيل الكبرى، انها فرصة ذهبية ليكون العرب من جديد على الطاولة كتلة اقتصادية وسياسية منسقة ومتكاملة من قوى الوسطى، وليس دول على قائمة الطعام كما حصل مع تقاسمها قبل قرن؟
30/1/2026

1475 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع