قصة ( الخطة المحكمة ) مستوحاة من احداث حقيقية - الجزء الثاني

بقلم احمد فخري

قصة ( الخطة المحكمة) مستوحاة من احداث حقيقية - الجزء الثاني

من لم يتسنى له الاطلاع على الجزء الاول فبامكانه متابعته من خلال هذا الرابط

https://algardenia.com/maqalat/71000-2026-03-16-12-18-54.html

في مساء يوم الاربعاء اي اليوم الذي سبق زيارة عائلة همام الى منزل سمر لغرض طلب يدها وبعد ان نام الجميع في غرفهم الا همام. رفع العاشق الولهان السماعة وطلب رقم منزل سمر ليستمع الى صوتها الملائكي الحنون وهي تتسائل،

سمر : هذا انت اليس كذلك؟
همام : اجل يا روحي لم اقوى على النوم قبل سماع صوتك الجميل.
سمر : ها حبيبي خبرني ماذا عملت اليوم؟
همام : لقد انجزت جميع التحضيرات اللازمة كي نأتي الى بيتكم غداً مساءاً. فقد جلبت بدلتي من المكوى وذهبت الى متجر الزهور كي استلم باقة الورد التي سادخل بها عليكم.
سمر : اوصفها لي يا همام. فانت تعرفني كم اعشق الزهور.
همام : انها باقة جميلة جداً تكاد تكون بجمالك.
سمر : احقاً تحبني بهذا القدر يا همومتي؟ هل انت حقاً مغرم بي؟
همام : كيف لا وانا لا انعم بساعة نوم واحدة الا ومررتِ على خيالي فاقوم بلف ذراعيّ حولك وأقبلك لاشعر بالدفئ والسكينة.
سمر : وانا كذلك يا عمري. اعدك بانني ساكون زوجة مطيعة محبة حنون، سوف لن امارس النق معك سوى مرة واحدة بالاسبوع وهذا حقي الدستوري.
انفجر الاثنان من الضحك ثم سألته،
سمر : وبعد ذلك ماذا فعلت؟
همام : ذهبت لحَلّاقيَ المعتاد ابو فراس وحلقت رأسي عنده.
سمر : اكيد اصبح شكلك لذيذ كقطعة الشكلاطا. اخبرني ماذا دار بينكما من حديث فانا اعرفهم ثرثارين.
همام : سألني عن اموري الخاصة فاخبرته باني ذاهبٌ غداً لطلب يد عروستي الجديدة. وقتها قال، "لم تمر سوى بضع شهور على طلاقك من زوجتك الاولى. حقاً لو قالوا (اعزب دهر، ارمل شهر).
سمر : ما المقصود بهذا المثل حبيبي؟
همام : هو يقصد ان الاعزب بامكانه ان ينتظر طويلاً من دون زوجة لانه تعود على حالة العزوبية. لكن الارمل او المطلق مثلي ليس بمقدوره البقاء من دون شريكة حياة لاكثر من شهر واحد.
سمر : هذا صحيح. انت تحتاج لحضني الدافئ.
همام : هيا حبيبتي دعينا ننام الآن. الى اللقاء الجميل في الغد.
سمر : الى اللقاء يا عمري.
انتظر همام بضع ثوانٍ كي يسمع صوت انغلاق الهاتف لديها لكنه لم ينغلق فقال،
همام : لماذا لم تغلقي الخط؟
سمر : ليس بمقدوري ان اغلقه. فقلبي معلق بك كثيراً يا عمري.
همام : وانا كذلك حياتي لكننا يجب ان نُحَكّم العقل. هيا اخلدي لفراشك وسنلتقي غداً.
سمر : اقبلك مليون قبلة بكل مكان من جسدك حتى بالاماكن الممنوعة.
قالتها واغلقت الخط فاشعلت بها شوقه وغرائزه جميعاً.
باليوم التالي استيقظ همام على اصوات العائلة وهم يستعدون للذهاب الى اعمالهم ومدارسهم بينما خرج بعدهم وتوجه الى محطة صيانة بعيدة كي يستعمل الغسيل الآلي لسيارته حتى يكون منظرها لائقاً بالمساء عندما يذهبون لخطبة عروسه الجميلة سمر. وبعد الظهر رجع للمنزل وبدأ يكوي قميصه الابيض استعداداً للحدث الاهم بحياته فلاحظ ان جميع من في الدار كان منشغلاً بهندامه حتى سمع محمد يصيح ويقول، "هل الجميع جاهزاً؟" الكل هز برأسه قال، "إذاً هيا بنا". خرجوا خارج العمارة فركبت احلام الى جانب زوجها محمد بينما ركب الصغار ايمن ورقية مع خالهم همام بسيارته وتوجهوا جميعاً الى بيت سمر.
فور وصولهم البيت وقفوا خارج الباب وضغط همام على الجرس ففتحت سمر الباب وابتسامة عريضة رسمت على وجهها لتستلم باقة الورد من حبيبها وتبدأ بالترحيب بضيوفها قالت، "اهلاً وسهلاً بكم. لقد اسعدتم قلوبنا بحضوركم". ثم ادخلتهم غرفة الاستقبال. بعد قليل دخل عليهم والدي سمر ليرحبوا بقدومهم ترحيباً كبيراً. وبعد ان جلس الجميع في الصالة اسرعت سمر لاحضار الشاي والكيك والكليجة والمقرمشات وصارت تقدمها للضيوف. استرق همام نظرة بعين حبيبته عندما اقتربت منه فرآها تنظر اليه والابتسامة العريضة تملأ وجهها. وبعد لحظات من الصمت المطبق علم محمد ان عليه كسر الجليد قال،
محمد : لم نجد صعوبة في العثور على بيتكم. فموقعه ستراتيجي جداً.
ابو سمر : هذا صحيح، نحن لا نبعد كثيراً عن اسواق (سپنيس) وهو كما تعلم مشهور في ابوظبي.
هنا سألته ام سمر،
ام سمر : هل تعمل بشركة بترول مع نسيبك همام يا سيد محمد؟
محمد : كلا يا مدام، انا اعمل بشركة اخرى تدعى ادناتكو، في قسم الموارد البشرية وزوجتي تعمل بشركة اخرى تدعى سايبم.
ابو سمر : لدى شركتنا تعاملات كثيرة مع شركتكم ادناتكو.
بعد تلك الجمل عاد الهدوء من جديد في الصالة. وبعد ان شرب الجميع الشاي وتناولوا المرطبات الخفيفة قال محمد،
محمد : بالحقيقة جئناكم اليوم لطلب يد ابنتكم المصون سمر لنسيبي همام.
ابو سمر : وما هي طبيعة عمل همام؟
هنا ردت اخته احلام بكل فخر قائلة،
احلام : اخي همام مهندس نفط كبير، تخرج من ايرلندا ويعمل في حقل زاكوم للبترول بنظام المناوبة.
هنا نظر والد سمر الى ابنته وسألها،
ابو سمر : هل سيناسبك يا سمر ان يغيب عنك زوجك شهراً كاملاً ثم يعود اليك ليبقى شهر آخر معكِ؟
سمر : انا لا ارى في ذلك امراً مضنياً. فلدي الكثير من الصديقات ممن يغيب عنهن ازواجهن بهذه الطريقة.
احلام : بما انها راضية على ذلك فهل لديكم اي اعتراض على اخي همام؟
ابو سمر : من حيث المبدأ، نحن موافقون، ويبقي الامر اولاً وآخراً بيد سمر. هل انت موافقة يا ابنتي؟
سمر : اجل يا ابي. انا موافقة جداً جداً.
ابو سمر : إذاً على بركة الله.
محمد : هل تريدون التطرق الى موضوع المهر وما الى ذلك؟
ام سمر : نحن لا نريد اي مهر لابنتنا، فقط درهماً واحداً مقدم ودرهماً واحداً مؤخر. كل ما نريده لها ان تكون سعيدة بحياتها.
احلام : إذاً على بركة الله.
أومأ ابو سمر برأسه دلالة على الموافقة فصارت ام سمر تطلق الزغاريد بكل سعادة لتُسمِع سابع جار. انضمت اليها احلام بالزغاريد المدوية وصار الاطفال رقية وايمن يصفقون من شدة الفرح. بقي الجميع بحالة سعادة كبرى بينما كان الخطيبان يسترقان النظرات فيما بينهما حتى باحدى المرات ارسلت له قبلة هوائية عندما كان الجميع منشغلاً عنهم بشرب الشاي. ولما انتهى اللقاء بوقت متأخر من الليل وقف محمد واحلام فتبعهما همام والاطفال وطلبوا الاذن بالمغادرة. وقف الضيوف وساروا نحو الباب الخارجي فوضع والد سمر يده على كتف نسيبه الجديد همام وقال،
ابو سمر : اودعك ابنتي الوحيدة يا همام واريدك ان تحميها وتصونها وأن لا تحزنها ابداً.
همام : هذا وعد مني يا عمي. كيف لا وهي قطعة من روحي.
ركب الجميع السيارتين وعادوا بها الى شقتهم بشارع حمدان.
هنا صار معلوم لدى جميع العراقيين في ابوظبي بان همام وسمر اصبحوا بحكم المخطوبين بعد ان حصلوا على موافقة العائلة. لكنهم لم يلبسوا الخواتم بعد وقرروا ان تكون حفلة الخطوبة الرسمية في الاجازة القادمة لهمام. لذلك كان همام يأخذ خطيبته مساء كل يوم ويذهبان سوية الى اماكن عامة مختلفة كي يجلسوا بالمقاهي ويتحدثوا فيما بينهم ويخططون بامور تخص الزواج والوظيفة والشقة التي سيستقرون بها مستقبلاً وما الى ذلك. وهكذا مضت اجازة همام ذات الاربع اسابيع كلمح البصر قضى جلها مع خطيبته. وباليوم الاخير قبل عودة همام الى مقر عمله بحقل زاكوم، التقى الحبيبان للمرة الاخيرة وكان الحزن قد خيم على حديثهما لانهما سيفترقان لمدة شهر كامل لكن سمر وعدته بانها ستتصل به كل يوم وتتحدث اليه مطولاً في المساء كي تهون عليه الم الفراق.
وفي فجر اليوم التالي وضع همام حقيبته الصغيرة على كتفه وودع اخته وزوجها وقبل الاطفال ثم خرج ليغلق الباب ورائه. مشى بخطىً ثقيلة يملؤها شعور مزدوج بين حزن الفراق لحبيبته والسعادة التي تنتظره في رسم حياة مستقبلية يملأها الامل ليعوضه عن زيجته الاولى الفاشلة حين ذاق فيها الامرين. وفور وصوله مطار البطين رأى بعض من زملائه ينتظرون دورهم في الصعود الى الطائرة السمتية من نوع بيل 212 فركض وانضم اليهم.
جلس همام بالطائرة التي حلقت في السماء على ارتفاع اربعة آلآف قدم لكن عقله وقلبه وروحه كان لازال معلقة بالارض في وسط مدينة ابوظبي تحوم وتتمحور حول سمر ووجه سمر الجميل الذي لا يفارق مخيلته ابداً. وعند هبوط الطائرة على البارجة السكنية بعد نصف ساعة من الطيران نزل همام ليجد حشداً كبيراً من زملائه يقفون بغرفة الانتظار حاملين بايديهم اكاليل ورد، ينتظرون قدوم زميلهم الذي رسم مستقبلاً جديداً لنفسه وسيخطو الخطوة الصحيحة الى الامام ازاء سعادته المستقبلية. نزل صاحبنا من الطابق الخامس الى الرابع في البارجة ليجد موظفوا المطعم منشغلون باعداد الطاولات استعداداً لتقديم وجبة الغداء. تجاوزهم ونزل للطابق الثالث اين تقع غرفته الدائمية. وبعد ان وضع حقيبته في دولاب ملابسه الخاص توجه الى مكتبه الكائن في البارجة الثانية كي يقوم بعملية التسليم مع بديله السوداني منصور لتدوم المقابلة نصف ساعة فقط ثم ودعه على عجالة وجلس خلف مكتبه ليمسك بسماعة الهاتف ويتصل بخطيبته سمر. طلب رقم شركة سفريات النجاح فحولوه الى هاتف سمر لتقول،
سمر : هل وصلت بأمان يا حبيبي؟
همام : اجل يا عمري. انا الآن في مكتبي وانت اول من اتصلت به.
سمر : كيف كانت رحلتك؟
همام : كانت مؤلمة.
سمر : لماذا يا زوجي العزيز؟
همام : لأن كل ثانية من الرحلة كانت تبعدني عنك اكثر فاكثر.
سمر : لا عليك همومتي. سنتحد قريباً ولن يقدر احد على تفريقنا عن بعضنا البعض. اصبر فقط وسوف يتحقق حلمنا لاصبح زوجتك حلالك وملك لك الى الابد.
همام : كنت اتمنى لو كنت الآن امامي لكنت... لكنت...
سمر : ماذا كنت ستفعل هيا اخبرني؟
همام : كنت ساحضنك واقبلك قبلة ساخنة.
سمر : لقد اصبتني بالشلل بهذه الكلمات المغطاة بالعسل. انا لك وانت لي يا حبيب عمري.
همام : ساتصل بك هذه الليلة من غرفة نومي.
سمر : وهو كذلك، ساكون بانتظارك في غرفتي بالبيت وساكون قد ارتديت لك بدلة نوم شفافة جداً ولا شيء تحتها.
همام : يا سلام. ليتني استطيع ان اراك الآن فيها.
سمر : سوف تراني كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة حتى تمل مني صدقني.
همام : وهل يعقل ذلك؟ هل سيأتي اليوم الذي امل به منك؟ هذه استحالة.
سمر : طيب حبيبي. انهم ينادونني في المكتب. لقد جائني زبون. سنتحدث بالمساء. باي.
همام : قبلاتي الحارة.
اغلق الخط معها وكانت ابتسامة عريضة قد رسمت على وجهه وهو يبحلق بجهاز التلفون فقد ربطه بحبيبته عن طريق الارواح. ولكن قريباً سيجتمعان بدمهم وشحمهم ولن يفترقا ابداً. وفي المساء كان لهم لقاء آخر تحدثوا فيه عن احلامهم المستقبلية وتطرقوا لامور اخرى اثارت شهواتهم الحيوانية لتجعلهم يتوقون للاقتران باسرع وقت ممكن.
ظل حالهم هذا على ما هو عليه يتحدثون بالهاتف مرتين في اليوم. مرة بالنهار ومرة مطولة بالليل حتى مرت ثلاثة اسابيع كاملة على مكوث همام في عمله بالبارجة السكنية في البحر ولم يبقى على لقائهما سوى اسبوع واحد فقط.
وفي اليوم الاول من الاسبوع الاخير اتصل همام بحبيبته ليتحدث اليها فردت عليه موظفة البدالة ليسألها،
همام : اريد التحدث الى سمر لو سمحتِ؟
الموظفة : يؤسفني ان اقول لك سيد همام بان سمر قد توقفت عن العمل بمكتبنا.
همام : توقفت؟ ماذا تقصدين؟ هل هي في اجازة؟
الموظفة : كلا سيدي. لقد انهت خدماتها مع الشركة وتسلمت مكافئة انهاء الخدمة ولم تعد تعمل معنا.
همام : لكنها لم تخبرني بذلك.
الموظفة : انصحك ان تتصل بها في البيت سيد همام.
همام : سافعل ذلك يا آنسة. شكراً لك.
اغلق الخط وبقي يفكر {لماذا لم تخبرني بانها ستترك عملها بالمكتب؟ فقرار مثل هذا كان عليها ان تعلمني به مسبقاً. اجل، اجل ربما هي تريد التفرغ لخطبتنا فنحن سنرتبط رسمياً فور رجوعي الى مدينة ابوظبي. من المؤكد انها ستقوم بالاتصال بي عاجلاً ام آجلاً لتخبرني بما يحصل معها. ساوبخها لانها لم تعلمني مسبقاً وتجعلني اتفاجأ بخبر استقالتها}. فجأة دخل عليه احد المهندسين الهنود واخبره بامر طارئ يخص العمل فقام بتلبية طلبه ثم عاد وجلس على مكتبه ليسمع رنين هاتفه. رفع السماعة ليسمع ذوالفقار عامل البدالة الباكستاني يقول،
ذوالفقار : مكالمة من ابوزبي يا همام.
{الحمد لله. هذه سمر تطلبني بلا شك. بالتأكيد ستخبرني بكل شيء عن استقالتها}.
همام : الو سمر كيف حالك يا عمري؟
هنا اصيب همام بصدمة حين سمع صوت نسيبه محمد يقول،
محمد : انا لست سمر يا همام. انا محمد، لدي خبر سيء جداً يا نسيبي العزيز.
همام : ماذا ورائك يا محمد؟ هل احلام بخير؟ هل الاولاد بخير؟ يا ساتر يا ربي. لقد اقلقتني.
محمد : جميعهم بخير لا تقلق ولكن قبل قليل اتصل بي هاتفياً محمود الوالي والد سمر هذا الصباح واخبرني بان كل شيء قد انتهى بينك وبين ابنته سمر. وان الخطبة لم يتم الموافقة عليها.
همام : من الؤكد انك تمزح. لقد تحدثت مع سمر البارحة مرتين، مرة في الصباح ومرة في المساء ولم تذكر لي اي شيء. ربما كان هناك خطأ ما يا محمد. هل انت واعٍ لما تقول؟ بالتأكيد هناك خطأ.
محمد : لا ليس هناك اي خطأ. يقول ابو سمر بان الخطبة قد تم فسخها وليس هناك قسمة ونصيب بينكما.
همام : هذا جنون. لقد اتصلت بمكتب سمر قبل قليل و...
محمد : حسناً وماذا قالت لك سمر؟
همام : لم تقل لي شيئاً. اخبروني بانها استقالت من عملها لذا لم اتمكن من التحدث اليها. ما الذي يجري يا محمد؟
محمد : يبدو ان شيئاً ما قد وقع. انا اقترح عليك ان تتصل ببيتها وتسألهم او ان تنتظر لمدة اسبوع حتى تعود من عملك من البحر الى مدينة ابوظبي ثم تتأكد منهم بنفسك.
همام : لا يا اخي لا. انا ساتصل بابوها الآن فوراً في البيت لاعرف طبيعة المشكلة.
محمد : إذاً اتصل به ارجوك اخبرنا بما يجري. فاختك قلقة جداً.
همام : سافعل ذلك. وداعاً.
اغلق الخط مع نسيبه وبقي يفكر ويفكر لكنه لم يصل الى اي نتيجة منطقية. رفع سماعة الهاتف ورن على ذوالفقار وطلب منه رقم منزل سمر فرن الهاتف. انتظر لاكثر من ست او سبع رنات حتى سمع صوت والدة سمر تقول،
ام سمر : من الطالب؟
همام : انا همام يا خالتي. هل يمكنني التحدث الى سمر؟
ام سمر : كلا هذا غير ممكن. من المؤسف ان اقول لك يا ابني ان سمر لم تعد مخطوبة لك لانها فسخت الخطوبة ولانها مخطوبة لعبد الكريم الآن وقد لبسوا الخواتم بالامس واستقالت من عملها تحسباً لاستعدادات العرس.
همام : ولكن لماذا بهذه السرعة؟ انا ليس لدي علم بما يجري.
ام سمر : انا آسفة يا ولدي هذه رغبة سمر. كان عليها ان تخبرك بذلك لكن الامر كله انتهى بسرعة كبيرة. ارجوك يا ابني لا تتصل بنا ثانية. نهارك سعيد.
همام : فقط دعيني اتحث معها وسوف...
لكنها اغلقت الخط بوجهه فبقي ممسكاً بالسماعة مشدوها بشكل كبير. ما الذي يجري ياترى؟ وما هي هذه الاحداث السريعة التي ليس فيها اي منطق؟ رفع السماعة وطلب من ذوالفقار ليوصله برقم الشركة التي تعمل بها اخته احلام. فسمعها تقول،
احلام : حبيبي همام كيف حالك؟
همام : حالي مثل الزفت والقطران. هل سمعت بما جرى؟
احلام : اجل اخبرني محمد باتصال والد سمر. انه امر غريب جداً. هل تحدثت مع الفتاة؟
همام : حاولت الاتصال بها في المكتب فاخبروني بانها استقالت من عملها. ثم اتصلت بالبيت لاتحدث مع والدها او الدتها فاخبرتني والدتها بانها خطبت فعلاً لواحد يدعى عبد الكريم وقد لبسوا الخواتم بالامس. هل يعقل ذلك؟ يجب ان اتحدث مع والدها.
احلام : الاتصال بوالدها سوف لن يجدي نفعاً لانه متفق مع زوجته وابنته. انا حقاً مندهشة لما يجري. لذلك اتصلت بصديقتي امل وعلمت من زوجها ان امل سافرت الى بغداد قبل شهر وستعود لابوظبي خلال بضعة ايام. اما زوجها فلا يعلم اي شيء عن الموضوع. يبدو ان الامر فيه إنّ.
همام : عندما اعود الى ابوظبي ساحاول ان افهم ما يجري. فخطبتها مع هذا المدعو عبد الكريم غريبة جداً. لقد تحدثت مع سمر ليلة امس وكل شيء كان على ما يرام. متى احبته ومتى اتفقوا على الزواج وكيف يخطبها بهذه السرعة؟ انه امر محير جداً.
احلام : انا اعتقد ان الخبر اليقين سيكون لدى امل. فهي صديقة العائلة وسوف نعلم منها كي شيء. والآن حاول ان لا تزعج نفسك يا عزيزي فالبحر ملآن بالسمك. ساخطب لك افضل واجمل منها بالف مرة. فقط تمالك نفسك ولا تحزن.
همام : حسناً حلومة، مع السلامة.
احلام : انتظر لحظ...
لكنه اغلق الخط مع اخته ووضع رأسه بين كفيه وصار يضرب رأسه على المنضدة. {ما الذي يجري؟ ما الذي يجري؟ لماذا لم تخبرني سمر بالامس انها سوف تخطب؟ لماذا قررت اليوم فقط ان تغير من همام الى عبد الكريم؟ هل هي تغير حذاء بحذاء او بدلة ببدلة او سيارة قديمة باخرى جديدة؟ سوف لم ولن افهم النساء ابداً. أبهذه السرعة وبهذه السهولة تغير مجرى الخط من رجل الى رجل آخر؟ هل ستتحدث معه كما كانت تحدثني بالأمور الحميمية يا ترى؟ لا يمكن لي ان افهم ما يجري}. فجأة رن هاتفه ليسمع مديره عزيز يقول،
عزيز : تعال يا همام الى مكتبي لو سمحت؟
همام : ما الامر يا عزيز؟
عزيز : اريد التحدث اليك عن بعض المستجدات في العمل.
همام : حسناً. ساتي اليك الآن.
مشى همام على الجسر المعلق الذي يربط بين بارجته والبارجة التي يقع فيها مكتب مديره. وفي الطريق كان يضرب ويطرح ويحلل فلا يجد نتائج مرضية فيعيد حسابته من جديد ليصل الى عين النتيجة (طريق مزدود وليس فيه حلول). كانت الايام السبعة المتبقية له في العمل قد تمددت وكأنها اصبحت سبع سنين عجاف. كان قليلاً ما يختلط بزملائه واصدقائه ما عدى صفوان. إذ كان يأتيه بالمساء الى غرفته ويستمع اليه وهو يخرج غضبه الى السطح فيحاول ان يهدئ من روعه ولكن هيهات. فهمام اليوم اصبح بحالة تحزن حتى من قلبه منحوت من حجر الصوان. كان يمتنع عن الطعام الا ما ندر ويصرخ لاتفه الامور ولا يستجيب لمديره عندما يناديه.
وفي اليوم الاخير من مناوبته اخذ حقيبته واكمل التسليم بشكل مقتضب مع بديله منصور ثم ركب الطائرة ليعود بها الى ابوظبي. وفور دخوله شقة اخته احلام هرع اليه الجميع وقبلوه واخذ الأولاد حقيبته ليدخلوه الى غرفة الاستقبال فجلس على الاريكة ونظر الى اخته ثم قال،
همام : ما الذي يجري يا اختي؟ هل انقلبت الدنيا؟
احلام : مرحباً بك يا عزيزي في عالم حواء. النساء هكذا يا اخي العزيز. يغيّرون رأيهم كلمح البصر.
همام : لا يا أختي لا. هناك سر لا نعرفه ابداً. قبل اسبوع فقط تحدثت انا وسمر بالليل وكان كل شيء على ما يرام بيننا. وفي اليوم التالي تخبرني امها بانها مخطوبة لعبد الكريم. أيعقل ذلك؟ تتغير الامور خلال ساعات قليلة؟ عقلي لم يعد يستوعب تلك الامور.
احلام : يبدو ان هناك اموراً خاصة لا نعرفها. وافضل من يستطيع شرحها لنا هي صديقتي امل. سمعت من باقي صديقاتي انها سترجع من بغداد غداً. سوف اتصل بها واعرف منها كل شيء.
همام : بل سنذهب الى بيتها جميعاً كي نفهم سر ذلك اللغز العجيب المعقد.
احلام : الآن اذهب الى الحمام حبيبي همام واغتسل ثم استعد لاننا سنتناول وجبة الغداء قريباً.
مر ذلك اليوم بصعوبة كبيرة على همام. كان ينتظر مجيء الغد على احر من الجمر. وفي اليوم التالي اتصلت احلام بصديقتها امل وتحدثت معها مطولاً ثم عادت واخبرت همام بانها اتفقت مع امل على زيارة منزلها مع الساعة السادسة مساءاً. وبحلول الموعد ركب الجميع سيارة واحدة ليقودها نسيبه محمد ويتجه بهم الى بيت امل. رنوا الجرس ففتح لهم زوجها وادخلهم الى غرفة الاستقبال. خرجت عليهم امل وصارت ترحب بهم كعادتها وتخبرهم عن رحلتها الى بغداد ثم التفتت الى همام وسألته،
امل : هل تعافيت من الصدمة يا عزيزي؟
همام : انها لم تكن صدمة بل هي صفعة مؤلمة على جبيني. اليوم جئناك كي نعرف كل شيء يا اخت امل. لماذا فعلت سمر كل ذلك؟ ولماذا فسخت الخطوبة معي خلال ساعات؟ وكيف تعرفت على عبدالكريم خلال بضع ساعات فقط ليقوم بخطبتها ويوافق اهلها على كل شيء دون اعتراض؟
احلام : اخي همام لديه الحق. نحن جميعاً بقينا مشدوهين لما فعلت تلك المفعوصة باخي. انت تعرفين تلك العائلة جيداً يا امل. اخبرينا بالله عليك. ما وراء كل تلك التصرفات العجيبة؟
امل : بالحقيقة لقد خطبت سمر لعبد الكريم بعد قصة حب دامت ثلاث سنوات.
هنا وقف همام وصرخ باعلى صوته،
همام : مـــــــــــــــاذا؟ ثــــــــلاث سنوات؟ متى احبت سمر ذلك الصرصار القذر؟ فبالليل كنا نتحدث بالهاتف فتخبرني كيف كانت تتوق للجلوس على حجري وتقبلني قبلات ساخنة ثم تأتين انتِ اليوم وتقولين "قصة حب دامت ثلاث سنوات". ما هذا الهراء يا اخت امل؟
امل : سمر لم تحب ولن تحب احداً في حياتها سوى عبد الكريم. حبها له كان جنونياً. كان بامكانها ان تفعل اي شيء حتى تحصل عليه وتتزوجه.
همام : ولماذا لم تتزوجه قبل ثلاث سنوات إذاً؟ ما الذي منعها من ذلك؟
امل : ببساطة لان عبد الكريم كان متزوجاً من سيدة اخرى تدعى صفاء الدليمي ولديه منها ثلاث بنات جميلات. كانت سمر تطلب منه ان يطلق زوجته صفاء قبل ان تتزوجه لكنه كان يتحجج دائماً ببناته الثلاثة وكيف سيفارقهن، فتطمئنه بانه إذا ما تزوجها فسوف تحبهم وترعاهم اكثر من امهم لكنه كان متردداً في تطليق زوجته.
همام : ومتى عرفتِ كل ذلك يا امل؟
امل : كنت اعرف كل القصة منذ البداية اي منذ امد بعيد جداً.
احلام : ولماذا بدأت سمر تكذب على اخي همام وتوهمه بانها مغرمة به؟
امل : هدفها كان ان تجعلكم تذهبون لخطبتها ببيتهم فيعلم عبد الكريم ذلك لان بيته يقابل بيت والدها تماماً وسوف يراكم ويعلم انها ستتزوج من رجل آخر غيره فتصيبه الغيرة ويقوم بتطليق زوجته ليسرع بخطبتها قبل ان تضيع منه.
همام : وهل قام بخطبتها فعلاً؟
امل : اجل طلق زوجته في اليوم التالي من زيارتكم لبيت والدها مباشرةً. وبعد ان طلقها تركها تأخذ البنات وتسافر الى بغداد ثم اتفق مع سمر كي يأتي لخطبتها ببيتها بنفس يوم سفر زوجته.
محمد : وهل وافق اهلها على الخطيب الجديد؟
امل : لم يكن امامهم خيار آخر لان سمر هددتهم بالانتحار إذا لم يوافقوا على زواجها من عبد الكريم. فسمر تفعل ما سمر تريد ولن يرفض لها احد اي طلب لانها البنت الوحيدة المدللة لديهم.
همام : هذا يعني انك كنت تعرفين بعلاقتها بعبد الكريم عندما عرفت برغبتي في الاقتران بها. فلماذا لم تخبريني وقتها؟
امل : اولاً يجب ان تعلم يا اخي همام بان سمر فتاة ذات شخصية قوية جداً وإذا ارادت ان تفعل شيئاً فسوف لن يقف بوجهها احد. جائت الى عندي باحد الايام واخبرتني انها ستستعملك كطعم في خطتها كي تحفز حبيبها عبدالكريم حتى يطلق زوجته ويتزوجها. وقتها عارضتها بشدة وقلت لها ان ما تفعله لا يرضي الله لان عبدالكريم لديه ثلاث بنات لكنها قالت بانها مستعدة كي تربيهم بنفسها. ثم اخبرتها ان ما ستفعله بك يا اخي همام سيكون امراً غير اخلاقياً وانك اخو احدى اعز صديقاتي بابوظبي قالت بانك ستنسى الامر بسرعة لانك ما زلت شاباً. بعدها جعلتني احلف على القرآن كي لا افشي سرها لا لك ولا لأي احد غيرك. في الختام حذرتها تحذيراً شديد اللهجة لاخبرها بانها تلعب بالنار لكنها لم تكترث وادارت رأسها وخرجت من بيتي.
همام : لو كنت تسمعين حديثنا ونحن نتحدث عن الامور الخاصة، لما قلت ذلك.
امل : اعرف تماماً ماذا تستطيع سمر صنعه.
محمد : على الاقل كان الاجدر بك ان تنوهي لنا عما يدور برأس تلك الفتاة. حتى وإن كنت قد اقسمت كي لا تفشي سرها.
امل : لقد فعلت ذلك فعلاً ونوهت لكم. حاولت ان لا اكسر قسمي إذ عارضت خطبة همام على سمر وقلت بانها اكبر منه بسنتين. لكن همام كان معمياً بحبها وضرب معارضتي عرض الحائط. كنت اعلم بان الموضوع سينتهي بكارثة لا تحمد عقباها لذلك آثرت الصمت والابتعاد عن المشكلة.
هماما : ولماذا تخبريني الآن؟ الم تقسمي على القرآن؟
امل : لقد احلتني من ذلك القسم بعد ان تزوجت من عبد اكريم وقالت بمكالمة هاتفية الى بغداد انها قد نالت ما ارادت وانها غير مهتمة لما سيقع لها من جراء فعلتها.
همام : إذاً سأذهب غداً الى بيتها وسافضح كل شيء قامت به سمر وسوف يعرف الجميع ما حل بي كي يؤنبوها.
امل : طبعاً بامكانك ان تفعل ذلك ولن يمنعك احد. لكنك لن تجد آذان صاغية هناك لان احداً لن يكون بالبيت. فوالدها ووالدتها ذهبا الى المانيا في اجازة والدها السنوية وسيمكثون هناك شهرين. وسمر الآن مع زوجها عبد الكريم في لندن يقضيان شهر العسل.
همام : حصل كل ذلك خلال اسبوع واحد فقط؟
امل : بل خلال ثلاثة ايام فقط وبعدها غادروا البلاد جميعاً.
*** *** ***
الى هنا تنتهي قصتنا. فهمام اصيب بخيبة امل كبيرة كان وقعها عليه كارثياً ومدمراً كادت تنهي حياته بالكامل. بقي طوال فترة اجازته يتردد على بيت سمر من بعيد وينظر الى باب البيت عسى ان يرى احداً يمر من امامه ليصرخ بوجه ويعاتبه لكن هيهات. انتهت قصتهم تماماً كما بدأت كلمح البصر.
الكل يسأل الآن: ماذ فعل الدهر بهمام وسمر بعد تلك الاحداث؟ اليكم السرد الاحداث كما وردتني:
حين انتهت اجازة همام رجع الى البحر للمرة الاخيرة مكسور الشوكة محطم العزيمة لديه احساس كبير بالخذلان والانهزام. كان يجلس بين زملائه وهم يضحكون ويمازحون بعضهم بعضاً بينما كان يبكي من داخله ويكبت القيح المتراكم بروحه. الصدمة المزلزلة التي مر بها هزت كيانه وجعلته يحنق على جميع النساء في العالم بدءاً بطليقته جنان وانتهاءاً بسمر وخطتها المحكمة التي لن يتمكن تجاوزها ابداً. لم يعد يحتمل النساء العربيات باساليبهن الكيدية ومؤامراتهن التي يندى لها الجبين. شعر بالخذلان لانه كان كالدمية الغبية المصنوعة من القش والقماش تتقاذفها النساء على بعضهن البعض متى واينما شاؤوا. منظره كان يثير الشفقة حين اصبح جسد بلا روح. ظل يكرر مقولته المعتادة، "لقد غدرت بي. لا اعلم كيف استطاعت ان تفعل ذلك؟ من الذي أحل لها خداعي؟ كم كنت غبياً ومغفلاً سوف لن اثق بهن مستقبلاً".
واثناء فترة مناوبته في البحر، قدم استقالته من الوظيفة واستلم مستحقاته المالية كاملةً ليعود بعدها الى ايرلندا فيستقر هناك ويكمل دراساته العليا ليحصل على شهادة الدكتوراه بهندسة البترول ثم يعمل بشركة نمساوية للخدمات النفطية كمديرها الاقليمي. وبعد مرور اربع سنوات التقى بفتاة ايرلندية جميلة تدعى باتريشا. تزوجها وانجبت له ولدين، الاول (فراس) كبر وتخرج من كلية القانون وسافر الى لندن ليعمل كمحامي طلاق اما الاصغر (فؤاد) فتخرج من كلية الطب عام 2023. ليمارس الطب الوقائي بمستشفى دوبلن الجامعية. همام الآن سعيد جداً بعائلته، يحمل الجواز الايرلندي ويستمتع بحياة التقاعد البعيدة عن صخب الحياة. تستدعيه الشركة بين الحين والاخر لاغراض الاستشارات فقط. اما باقي اوقات فراغه فيقضيها بالجلوس باحدى الحدائق العامة مع زوجته (پات) ليستمتعا بالمناظر الجميلة حتى ينهمر عليهما المطر فيعودان مهرولين للدار وهم يضحكون.
اما سمر فبعد زواجها من عبد الكريم بسنتين، طلقها وعاد للعراق ليعيد الارتباط بزوجته الاولى صفاء الدليمي ويبقى مع بناته الثلاثة اللواتي تزوجن جميعهن الآن. بقيت سمر ببيت والدها لاربع سنوات اخرى ثم توفى والديها بحادث سير مروع على طريق ابوظبي دبي لتظل سمر وحيدة بالدار ولم تتزوج من أي أحد آخر بعد طلاقها من عبد الكريم. علمنا من مصادرنا الموثوقة انها الآن تعيش بدار للعجزة بمدينة زيورخ جالسة على كرسي متحرك. لا يزورها سوى احد من اقاربها بين الفينة والأخرى.
(الكاتب).
***تمت***

  

إذاعة وتلفزيون‏



الساعة حسب توقيت مدينة بغداد

أفلام من الذاكرة

الطرب الأصيل

الأبراج وتفسير الأحلام

المتواجدون حاليا

660 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

تابعونا على الفيس بوك