
الدكتور رعد البيدر
خَسِرَ ذَوي الأقنِعَةِ وإنْ رَبِحُوا
بَدَت حقائق الحياة في محطاتها المتأخرة أكثر وضوحا، كأنها حفلة تنكرية صاخبة، أجاد فيها البعض ارتداء الأقنعة وتزييف الملامح، بينما خاضها الآخرون بوجوههم الحقيقية وسلوكهم الواضح القويم، بعيدا عن المراوغة والتملق. الكلمات السابقة تلميحنا يَصِفُ ما عشناه في خوالي السنيين، فتذَّكُر أيامها يُبَّرِز انقساماً حاداً بين فئتين ممن عايشناهم؛ فئة ذوي "الأقنعة" التي انتهجت التلوّن كالحرباء سبيلاَ ، وفئة ذوي "الوجوه المكشوفة" التي لم تعرف غير الاستقامة منهجاً وخطوات سَير، مما أدى إلى تباينٍ واضح في الحصاد والمآل.
تأسيساً على ما سبق فقد غرقت فئة "الأقنعة" في وحل التملُق والمُداهنة، ففقدوا وقار الشخصية، وباعوا الثوابت بعروضٍ زائلة من (مكاسب) الدنيا؛ فهانت عليهم صورهم في أعين الناس حتى صاروا أشباحاً بلا ملامح تُمَيزهُم إلا (بالدونية) لأن كثرة تبدل مواقفهم أذابت جوهرهم وطمست هويتهم، ومسخت شخصياتهم، وفي المقابل برز أصحاب الوجوه غير المقنعة ممن ربحوا أنفسهم حين استعصوا على التزييف والمخادعة ؛ فكان اعتزازهم بالقيم المُثلى حِصناً منعهم من الانحدار إلى محيط النفاق، وظلت جباههم مرفوعةً لم تسجد لغير الحق، ولم تنحنِ لغير المبدأ.
تبدو حقيقة المكاسب التي حصدها "ذوي الأقنعة" كسرابٍ خادع؛ فبينما تضخمت مصالحهم المادية وتراكمت لديهم المغانم والمناصب بمقاييس الحسابات التقليدية، إلا أن (مكاسبهم) لم تكن سوى غطاءٍ لإفلاس أخلاقي واضمحلال للذات تحت وطأة الابتذال. إن تحليل ميزان الربح والخسارة يكشف أن الفئة التي اختارت الوجوه المستعارة قد استبدلت سكينة النفس بـ "حطام" مادي تحول إلى قيد يطوق الأعناق، في حين حافظت فئة "الوجوه المكشوفة" على ثباتها ووضوحها رغم (خسارتها) للمكاسب الآنية. الاستنتاج الجوهري يقودنا إلى إن الربح الحقيقي يُحسم في لحظة المواجهة مع الذات واستعادة التاريخ؛ فحين تنتهي اللعبة، يدرك المتلونون أنهم ضيعوا الشخصية والتقدير المجتمعي مقابل عَرَضٍ زائل، بينما يظل إرث الصادقين عصياً على الصدأ، شامخاً باحترام الذات والآخرين.
وفي سطور الخاتمة نشير بأن الوقتُ قد حَسَمَ مُعترَكَ التنافسِ، وتولّت أيامُ "التملقِ" والابتذالِ إلى مَآلاتٍ كشفتْ زيفَ الحصاد الماديِّ أمامَ صلابةِ المبدأِ. فبينما انقضتْ جولاتُ الزيفِ بامتلاءِ الجيوبِ وخواءِ النفوسِ، استقرَّ المشهدُ الأخيرُ على حقيقةٍ حُسمتْ لصالحِ القيمِ. فعندَ سقوطِ الأقنعةِ تحتَ أقدامِ الواقعِ، انقضى زمنُ المراوغةِ وحلَّتْ حكمة مقولة "ندَمَ البُغاةُ ولاتَ ساعةَ مَندَمِ" لمن استبدلَ بأصالة الجوهرِ مَظهراً مخادعاً؛ فمضى المُتلونونَ بإفلاسِهم، وبقيَ أصحابُ الوجوهِ الثابتةِ ورثةَ الحقِّ والأثرِ النبيل، مِمَن نالوا الربحَ الأسمى بمقاييس الرفعة الدينية والدنيوية، هكذا يُنظر العقلاء للحياة، كنتيجة امتحان بنجاح أو فشل، اسناداً على تجارب صغرى وتجارب كبرى من العلاقات الإنسانية والوظيفية، والسَعدُ لغير النادمين.

848 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع