
د.موفق نيسكو
نسطور والنسطورية، والكنيسة الفارسية
نتيجة لتداول مصطلح نسطوري أخيراً بكثرة على الإخوة الآشوريين الحاليين، وبناءً على طلب الكثيرين من هو نسطور وهويته، ومن هم النساطرة، ومعنى نسطورية وتعاليم نسطور، ومن هي الكنيسة الفارسية؟، أكتب مقالاً مختصراً، مع ملاحظة إني أشرح ما حصل وما موجود وليس رأي شخصي بصحة عقيدة نسطور من عدمها:
النسطورية هو مذهب مسيحي مثل الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت، أو سنة وشيعة.
نسطور: رجل دين مسيحي سرياني ولد سنة 378م في قرية مرعش، جرمانيقية (سوريا قديماً، تركيا اليوم)، (تاريخ سقراط+439م، ك14 ص367 يقول: كان نسطور غريباً من أنطاكية، ولعلمه استُدعي منها وعُيَّنَ بطريركاً للقسطنطينية، وولد في جرمانيقية (سوريا). ورسائل فيلكسينوس المنبجي523م، ج1 ص385. البطريرك ميخائيل السرياني الكبير+1199م، ج1 ص263. ودائرة المعارف البريطانية 1911م، ج19 ص409. ومجموعة الشرع الكنسي، ص331 عن المؤرخ ثيودوريطس القورشي (الأنطاكي) ابن عم نسطور. وموسهيم، تاريخ الكنيسة المسيحية، ص213. وبابا دوبولوس، تاريخ كنيسة أنطاكية، ص243. ويوسف الدبس، تاريخ سورية الديني والدنيوي، ص333. وأسد رستم، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، ج1 ص307، وألبير أبونا، تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية، ج1 ص60، وغيرهم).
فنسطور هو ابن عم معاصره والمتحزب له المؤرخ الشهير ثيودوريطس القورشي، وهو صديق وزميل بطريرك السريان يوحنا الأنطاكي، وتلميذ الأسقف تيودورس المصيصي الأنطاكي الذي بدوره كان تلميذاً للأسقف تيودورس الطرسوسي الأنطاكي، وباختصار هو أنطاكي سرياني، لقَّبهُ البعض نسطور الأنطاكي، وكان يفتخر بأنطاكية والقسطنطينية (الأب يوسف المخلصي، خلاصة تاريخ الكنيسة الملكية، ص125)، وقد ترهَّبَ في دير أوبريبوس على باب أنطاكية، ورُسم كاهناً لإحدى كنائس أنطاكية، ولعلمه وفصاحته، اختير بطريركاً للقسطنطينية اليونانية سنة 428م.
كيف بدأت مشكلة نسطور وعقيدته؟: كان نسطور متبحراً ومدافعاً وخصماً عنيداً ضد آريوس وعقيدته التي تم حرمها في مجمع نيقية 325م، لكن اندفاعه الشديد جعله يقع في تعابير وخطأ كبير مُعقد وغير مفهوم وفي مكان غير مناسب، آخذاً آرائه العقائدية من تيودورس المصيصي وتيودورس الطرسوسي الأنطاكيين، وعندما تعيين نسطور بطريركاً للقسطنطينية اليونانية، كان أهل إفسس وغيرهم من اليونان، يُجلُّون ويوِّقرون السيدة العذراء كثيراً، ويلقبونها أم الله، فصرح نسطور بآرائه المناهضة لذلك.
مُلخَّص عقيدة نسطور: السيد المسيح هو إلهٌ متجسد، وهو أقنومان طبيعتان، إلهية وإنسانية، فخلاف نسطور الرئيس هو مع الأقنوم الثاني الابن أي السيد لمسيح، فالإله المتجسد المسيح عند نسطور هو أقنومان أو شخصان، ولا يجوز تلقيب السيدة العذراء والدة الله، بل أم المسيح، وأن العذراء لم تلد إلهاً مُتجسِّداً من أحشائها، بل ولدت إنساناً فقط، لكن هذا الإنسان حَلَّت فيه الطبيعة الإلهية أو صاحبته أو مقترنة به أو ملاصقة له في الولادة، فغدا إلهاً متجسداً، وأن اللاهوت فارق الناسوت ثلاثة أيام أثناء الصلب، وغيرها، أي يسوع عند نسطور هو الإنسان الذي لبَسَ أو سكن في الطبيعية الإلهية وأصبح إلهاً، أو يسوع لبس بدلة الملك، فنسطور لا يعترف أن جسد المسيح المتحد بلاهوته هو جسد كلمة الله نفسه، بل هو: جسداً أو هيكلاً أو شخصاً إنسانياً محضاً، سكن، حَلَّ، صاحَبَ، اقترن، اجتمع، التصق، مُسحَ..إلخ به اللاهوت، فهو: اتحاد طوعي، بالاسم، سطحي، خارجي، بالرضى، بالوقار، بالكرامة، بالمشيئة، بالإرادة، كوحدة الآلة مع من يستخدمها، أو الثوب مع من يلبسه، الرجل والمرأة..إلخ، وليس اتحاداً حقيقياً بجوهر وذات وماهية اللاهوت.
(ملاحظة 1: كلمة اقنوم يونانية معناها شخص أو لتميِّز إحدى صفات أو وظائف نفس الشخص. 2: أقرب عقيدة مسيحية للإسلام هي النسطورية).
يرد أحياناً أن نسطور يوناني، والسبب أنه أصبح بطريرك القسطنطينية اليونانية، ونادراً يرد جداً أنه فارسي، والسبب أن كنيسة المشرق السريانية (الآشوريين والكلدان الحاليين) التي كان مقرها (المدائن، قطسيفون، ساليق)، هي الوحيدة التي تبنَّت عقيدته، لذلك سُمِّيت (كنيسة النساطرة، وشعبها نسطوري، نساطرة)، ويقول الأب يوسف حبي: لقد طغى اسم (فارس) علي كنيستنا في بعض العهود والمصادر (كنيسة المشرق الكلدانية- الأثورية، ص197، علماً أنها تبنت عقيدته وهي لم تراه ولم يزورها ولا يعرفوه، والحقيقة أن الكلدان والآشوريين الحاليين لا علاقة لهم بسكان العراق الأصليين القدماء من كلدان وآشوريين مطلقاً، بل هم آراميون ينحدرون من الأسباط العشرة التائهة من بني إسرائيل اعتنقوا المسيحية بدايتها من منطلق قومي أكثر منه ديني باعتبار السيد المسيح ورسله الذين وصلوا العراق هم أبناء عمومتهم وآراميون مثلهم، لذلك هم الوحيدون الذي سَمَّوا بطركهم في التاريخ، بطرك الناصرة، بل حتى اعتناقهم المذهب النسطوري كان بدافع قومي عبري انفصالي.
في مجمع إفسس المسكوني (العالمي) سنة 431م، تم حَرمْ نسطور، ونفيه إلى برية مصر وتوفي سنة 451م، وأصبحت لنسطور عقيدة خاصة تُسَمَّى، العقيدة النسطورية، تَبنَّتها كنيسة المدائن السريانية فقط، ولهذا دُعيتْ الكنيسة النسطورية، وكان النساطرة يفتخرون باسمهم واسم نسطور في التاريخ ويطالبون خلفاء المسلمين بإصدار مراسم لهم باسم النساطرة، وحاول الطبيب جبرائيل بن بختيشوع في عهد الخليفة هارون الرشيد نقل عظام نسطور من مصر إلى بغداد، لكن الأمر أهمل.
العقيدة النسطورية كانت وما زالت إلى اليوم تعتبر هرطقة واسم غير مرغوب فيه في المسيحية، فلا تزال الكنيسة النسطورية (الآشورية حالياً) محرومة من جميع كنائس العالم على الإطلاق، وغير معترف بها ككنيسة في مجلس كنائس الشرق الأوسط، وغيرها، فبعد أن تبنت كنيسة السريان في المدائن العقيدة النسطورية انفصلت سنة 497م عن أنطاكية السريانية الأرثوذكسية وعاشت في حرم وعزلة تامة عن الكنائس الأخرى، واستمرت إلى سنة 1553م، حيث انظم أكثر من نصفهم لروما، فأعطتهم لقب الكلدان لأن الاسم النسطوري يعتبر هرطقة، ثم جاء الإنكليز سنة 1876م، والأغراض سياسية وطائفية وعبرية، اقنعوا من بقي نسطوريا أن يتسموا آشوريين بدل نساطرة، علماً أن اسم كنيستهم في العراق رسمياً هو النسطورية لسنة 1993م.
ملاحظة: عندما انفصلت كنيسة السريان المشارقة في المدائن عن كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية الأم، تم اتخاذ مدينة تكريت بدل المدائن كحاضرة للشرق السرياني الأرثوذكسي منذ عهد ماروثا التكريتي+648م
وشكراً/ د. موفق نيسكو

722 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع