
بقلم: د. نزار گزالي
دكتوراه في علم النفس
مدير مركز الاستشارات النفسية والاجتماعية في EPU
الصحة النفسية للقادة وأثرها على استقرار المجتمعات: العراق وإقليم كوردستان نموذجاً
في مجتمعات الشرق الاوسط عموماً، وفي العراق وإقليم كوردستان على وجه الخصوص، ما زالت الصحة النفسية للقادة السياسيين موضوعا غائباً عن النقاش الجاد، رغم ان القائد يعد من أكثر الاشخاص تعرضاً للضغط النفسي المزمن والتغيرات الادراكية الناتجة عن النفوذ المستمر. فكلما ارتفع موقع الانسان في هرم السلطة، ازداد الاعتقاد الاجتماعي بأنه اصبح اكثر صلابة واقل تاثراً بالعوامل النفسية، بينما تؤكد دراسات علم النفس السياسي وعلم الأعصاب السلوكي أن السلطة الطويلة قد تحدث تغيرات تدريجية في طريقة التفكير والانفعال واتخاذ القرار.
إن بقاء القائد في السلطة لعقود طويلة، خصوصاً داخل بيئات سياسية هشة او مضطربة، لا ينعكس فقط على الاداء السياسي، بل يمتد تأثيره الى كيمياء الدماغ واليات الادراك الاجتماعي. وتشير الادبيات الحديثة المتعلقة بما يعرف بـ “متلازمة الغرور السلطوي” أو “Hubris Syndrome” الى ان بعض القادة مع مرور الزمن يطورون نمطا من التفكير يتسم بالمبالغة في الثقة بالنفس، وضعف تقبل النقد، والشعور المتزايد بالاستثناء والتفوق، وهي أنماط ترتبط غالبا بغياب التوازن بين السلطة والمحاسبة.
ومن الناحية العصبية، يرتبط النفوذ طويل الامد بارتفاع مستمر في نشاط أنظمة المكافأة داخل الدماغ، خاصة تلك المرتبطة بالدوبامين، وهو الناقل العصبي المسؤول عن الاحساس بالمكافأة والانجاز والهيبة. وعندما يتكرر هذا الشعور يومياً ولسنوات طويلة، قد يبدا الدماغ تدريجيا في الاعتياد على السلطة بوصفها جزءاً من الهوية الذاتية، مما يزيد من احتمالية تضخم الانا والانفصال التدريجي عن الواقع الاجتماعي. وتشير بعض الدراسات في علم نفس السلطة إلى أن النفوذ المستمر قد يضعف القدرة على رؤية وجهات نظر الاخرين ويزيد من التمركز حول الذات واتخاذ القرارات عالية المخاطرة.
وفي المقابل، فان الخوف المستمر من فقدان النفوذ أو خسارة المكانة السياسية يؤدي إلى ارتفاع مزمن في مستويات التوتر والكورتيزول، الامر الذي يؤثر على المرونة الادراكية والقدرة على إعادة تقييم القرارات السابقة. ومع الزمن، قد يصبح القائد اكثر دفاعية واقل استعداداً للاعتراف بالأخطاء، لأن الدماغ يدخل في حالة تأهب مستمرة مرتبطة بالحفاظ على السلطة. كما ان استمرار العيش في بيئة سياسية مغلقة ومشحونة بالصراعات قد ينشط الجهاز الحوفي، وخاصة (الأميغدالا) المرتبطة باستشعار التهديد، مما يجعل بعض القادة اكثر ميلاً لرؤية المعارضة أو الاحتجاجات بوصفها تهديدا شخصيا بدلاً من كونها تعبيراً طبيعيا عن مطالب اجتماعية أو اقتصادية.
وفي العراق واقليم كوردستان تكتسب هذه المسألة أبعادا أكثر تعقيداً بسبب التاريخ السياسي والاجتماعي الخاص بالمنطقة. فكثير من القادة الحاليين مروا سابقا بتجارب الحروب، والعمل المسلح، والنفي، والتهميش، وفقدان الامان لفترات طويلة، ثم انتقلوا بصورة مفاجئة إلى مواقع نفوذ واسعة رافقها المال والسلطة والامتيازات. هذا التحول الحاد قد يؤدي في بعض الحالات الى ما يسميه علم النفس “التعويض النفسي المفرط”، حيث تتحول السلطة الى وسيلة لا واعية لتعويض سنوات الخوف أو الحرمان أو الإقصاء.
ومع غياب مؤسسات رقابية قوية وضعف التداول السلمي المنتظم للسلطة، تتفاقم العزلة الادراكية للقائد تدريجياً، ويصبح محاطاً باشخاص ينقلون له صورة انتقائية عن الواقع. وهنا تبدأ المسافة النفسية بين الحاكم والمجتمع بالاتساع، فتظهر قرارات قد تبدو منفصلة عن الاحتياجات الفعلية للمواطنين، او يتم تفسير اي معارضة سياسية باعتبارها مؤامرة خارجية او محاولة استهداف شخصية.
ومن هذا المنطلق، فان الحاجة إلى الدعم النفسي للقادة لا ترتبط بوجود “مرض عقلي” بالمعنى التقليدي، بل تتعلق بالحفاظ على التوازن الإدراكي والانفعالي لمن يمتلكون سلطة اتخاذ قرارات تمس حياة الملايين. فكما يخضع الرياضي المحترف لفحوصات بدنية دورية للحفاظ على أدائه، تحتاج المناصب العليا أيضا إلى مراجعات نفسية وإدراكية منتظمة تساعد على تقليل تأثير العزلة السلطوية والضغط المزمن وتضخم الأنا.
إن المجتمعات الحديثة بدت تدرك تدريجياً ان الصحة النفسية لصناع القرار ترتبط بشكل مباشر باستقرار الدولة وجودة القرارات السياسية. ولهذا فان تطوير برامج مستقلة للدعم النفسي والإدراكي للمسؤولين الكبار، تتضمن جلسات تقييم دوري وتدريباً على إدارة الضغط وتقبل النقد وإعادة الاتصال بالواقع الاجتماعي، قد يشكل خطوة مهمة في المجتمعات التي عاشت طويلا تحت تأثير الصراعات والانقسامات والتوترات السياسية المزمنة.
وفي النهاية، يبقى القائد انساناً مهما بلغ نفوذه، والإنسان عندما يستمر طويلاً داخل دائرة السلطة قد يفقد تدريجياً قدرته على رؤية نفسه والاخرين بصورة متوازنة. ومن هنا، فإن ادخال مفهوم الرعاية النفسية للقادة ضمن الثقافة السياسية والمؤسساتية قد يكون أحد العوامل التي تساعد مستقبلا على بناء قرارات اكثر عقلانية، وانظمة اكثر توازنا، ومجتمعات اقل عرضة لاخطاء السلطة الممتدة.
المراجع
1. Owen, David, and Jonathan Davidson. “Hubris Syndrome: An Acquired Personality Disorder? A Study of US Presidents and UK Prime Ministers over the Last 100 Years.” Brain 132, no. 5 (2009): 1396–1406. https://doi.org/10.1093/brain/awp008. (OUP Academic)
2. Sadler-Smith, Eugene, Vita Akstinaite, Graham Robinson, and Tim Wray. “Hubristic Leadership: A Review.” Leadership 13, no. 5 (2017): 525–548. https://doi.org/10.1177/1742715016680666. (Sage Journals)
3. Asad, Sarosh, and Eugene Sadler-Smith. “Differentiating Leader Hubris and Narcissism on the Basis of Power.” Leadership 16, no. 1 (2020): 39–61. https://doi.org/10.1177/1742715019885763. (Sage Journals)
4. Guinote, Ana. “How Power Affects People: Activating, Wanting, and Goal Seeking.” Annual Review of Psychology 68 (2017): 353–381. https://doi.org/10.1146/annurev-psych-010416-044153. (Annual Reviews)
5. Claxton, Guy, David Owen, and Eugene Sadler-Smith. “Hubris in Leadership: A Peril of Unbridled Intuition?” Leadership 11, no. 1 (2015): 57–78. https://doi.org/10.1177/174271501351148

703 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع